عبدالسلام الدباء * - الكثيرً من الحضارات لم تسقط بسبب قوة أعدائها، بل لأنها انشغلت بالصراع بين أبنائها حتى نسيت أن الوطن أكبر من الجميع، تلك حقيقة يكررها التاريخ في كل عصر، وكأن الأمم التي لا تتعلم من ماضيها تُجبر على إعادة أخطائه بثمنٍ أفدح، واليمن بحضارته الممتدة عبر آلاف السنين، يستحق أن يكون استثناء لهذه القاعدة، لا مثالاً جديداً عليها.
اليمن ليس حزباً يُؤيَّد أو يُعارَض، ولا جماعةً تُناصر أو تُخاصم، ولا قبيلةً تتقدم على غيرها، ولا منطقةً تُفضَّل على سواها.. اليمن وطنٌ عريق، وهويةٌ جامعة، وحضارةٌ صنعت صفحاتٍ مضيئة في تاريخ الإنسانية، قبل أن تعرف الأجيال المعاصرة كل هذه الانقسامات التي أنهكت المجتمع واستنزفت طاقاته.
لقد أثبتت التجارب أن الأوطان لا تُقاس بحجم الخلافات والصراعات التي تدور فوق أرضها، ولكن بقدرة أبنائها على تجاوز تلك الخلافات عندما يصبح الوطن في خطر، فما يبقى في ذاكرة الشعوب ليس ضجيج الخصومات، وإنما حجم الإنجازات التي تحققت حين توحدت الإرادة، وعندما تقدمت المصلحة العامة على الحسابات الضيقة.
اليمن، بكل تنوعه الثقافي والاجتماعي والجغرافي، يتسع لجميع أبنائه دون استثناء، فسماء الوطن واحدة، وأرضه واحدة، وتاريخه واحد، ولغته تجمع الجميع، كما أن آمال اليمنيين وآلامهم ومستقبلهم المشترك لا تعرف حدوداً رسمتها السياسة أو فرضتها النزاعات.. وما يختلف عليه الناس اليوم يمكن أن يصبح غداً مصدر قوة إذا أُحسن توظيفه في إطار العدالة والمساواة والاحترام المتبادل والتعايش والشراكة الوطنية.
إن قوة اليمن الحقيقية لا تتحقق بانتصار طرف على آخر، وإنما بانتصار الوطن على أسباب الفرقة والكراهية، فحين يعلو صوت الحكمة، وتُقدَّم لغة الحوار والتفاهم على لغة الصراع، ويصبح الانتماء للوطن فوق كل انتماء، وعندما تبدأ أولى خطوات البناء الحقيقي، وتعود الثقة بين أبناء المجتمع، يصبح المستقبل مشروعاً مشتركاً نحو التنمية والبناء، لا ساحةً للتنافس على الخراب.
إن مسؤولية الحفاظ على اليمن لا تقع على عاتق القيادات وحدها، بل تبدأ من كل مواطن يؤمن بأن الكلمة الطيبة، واحترام الآخر، ونبذ التمييز والتعصب، والدفاع عن المصلحة العامة، هي أفعال وطنية لا تقل أهمية عن أي مشروع سياسي أو اقتصادي، فالأوطان تُبنى بسواعد أبنائها، لكنها تبقى حيةً بوعيهم و بوحدة قلوبهم وأهدافهم.
واليوم، يبقى الأمل حاضراً دوماً، ما دام في اليمن رجالٌ ونساءٌ يؤمنون بأن السلام ليس ضعفاً، وأن الوحدة ليست شعاراً، بل إنها الطريقٌ الصحيح نحو المستقبل، وأن الوطن سيظل أكبر من كل الخلافات، فهل ندرك جميعاً أن أعظم انتصار يمكن أن نصنعه اليوم ليس انتصار أي فئة أو أية مكون، ولكنه انتصار اليمن نفسه، انتصار اليمن الذي يجمع كل أبنائه من المهرة إلى صعدة، والذي يتسع لهم جميعاً..
فاجتمعوا أيها اليمنيون على كلمة سواء من أجل الوطن، ومن أجل الخير والسلام وبناء المستقبل الجديد والواعد لكم ولأجيالكم القادمة، وتذكروا أن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم، وكونوا جميعاً إخوة متعاونين، فالله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه.
نسأل الله أن يحفظ اليمن وأهله من كل سوء ومكروه، وأن يجمع شمل اليمنيين ويوحد صفوفهم على كل خير وسلام ورخاء، وأن يجعل لليمن من بعد عسر يسراً.
* مستشار وزارة الشباب والرياضة
|