
|
|
| |
|
المستشار/ أحمد علي محمد جحاف - من العنوان تدرك أنك أمام موضوعٍ بالغ الأهمية؛ بحكم قدرة هذا الكيان على التأثير الكبير في مستقبل اليمن، وفي مستقبل المنطقة بصورة عامة، بل وفي المشهد الإقليمي والدولي بصورة غير مباشرة.
وفي ضوء ذلك أقول باختصار:
المحور الأول: الخصائص ومكامن القوة
︎ للمؤتمر الشعبي العام خصائص أساسية قد لا تتوافر مجتمعةً في حزبٍ آخر، محليًا أو عربيًا، وهي في حقيقتها مكامن قوته، ومصادر تميزه، وأسباب قدرته على الاستمرار والتجدد، ومن أبرزها:
1. أنه ابن بيئته اليمنية، بكل خصائصها العربية والإسلامية والإنسانية والحضارية؛ وليس منتجًا طارئًا من منتجات «الفعل وردّ الفعل»، أو انعكاسًا مباشرًا للصراع الدولي بين الشرق الاشتراكي والغرب الرأسمالي، كما كان شأن كثير من الأحزاب والقوى السياسية في المنطقة.
2. أن أسسه ومنطلقاته الفكرية تقوم على قواسم مشتركة واسعة للمجتمع اليمني والعربي والإنساني، بمختلف تنوعاته الفكرية والدينية والأيديولوجية والإنسانية.
3. وقد جعلته هذه الأسس يحمل مشروعًا وطنيًا وإنسانيًا شاملًا، ذا أفق حضاري يتجاوز حدود التنظيم إلى فضاء الوطن والمجتمع والإنسان.
4. ومنحت تلك الأسسُ المؤتمرَ قدرةً استيعابية واسعة، تكاد لا تحدّها حدود؛ لأنه لم يُبنَ على فكرة الإقصاء، ولا على قاعدة الاحتكار، وإنما على مساحة واسعة من المشتركات.
5. أن مختلف التوجهات، مهما تنوعت واختلفت، تجد في المؤتمر جزءًا من خصائصها ومساحاتها المشتركة؛ الأمر الذي يجعله كيانًا قابلاً لجذب الآخرين إلى الائتلاف معه أو الاندماج في مشروعه، لا كيانًا قائمًا على التصادم معهم أو إقصائهم.
6. أن منطلقاته الفكرية منحته القدرة على التجدد والتطور ومواكبة العصر؛ فالفكر الذي يمتلك قابلية التطور لا يشيخ، والمنهج الذي يستوعب المتغيرات لا يموت.
7. يمتلك قدرة عالية على التكيف والتفاعل مع المتغيرات، مهما تبدلت معطيات الواقع المحلي، أو تحولت موازين المحيط الإقليمي والدولي.
8. ويمتلك كذلك قدرة على التعامل مع الأزمات والتقلبات وتجاوزها، مهما كان حجمها، ومهما اتسع نطاقها، ومهما تعقدت ظروفها وتشابكت أسبابها.
9. والمؤتمر، في جوهره، مخرجٌ من رحم شعب، ومنتجٌ لبيئة يمنية ذات حضور حضاري وإنساني استثنائي في حياة أمتيها العربية والإسلامية، وفي مسيرة المجتمع الإنساني عامة..
فاليمن، بما قدمه عبر التاريخ من حضارات، وما حمله من رسالات وقيم، وما احتضنه من دعوات الإيمان، بدءًا من عهد سليمان عليه السلام وصولاً إلى الرسالة الخاتمة، ليس طارئًا على الحضارة، ولا غريبًا عن صناعة التاريخ.
ومن هنا يمكن النظر إلى المؤتمر الشعبي العام، في أحد أبعاده، باعتباره امتدادًا سياسيًا لمعنى الحضور اليمني في المجال الحضاري والإنساني؛ أي منهجًا متناغمًا مع طبيعة المجتمع، ومتصلًا بسياقه الحضاري، وقابلاً للتفاعل الإيجابي مع محيطه الإنساني.
وهذه، في تقديري، من نقاط القوة التي يمكن البناء عليها منهجًا وتطبيقًا؛ لأنها تجعل العلاقة مع العالم قائمة على التكامل والتعاون والتفاعل، لا على الصدام والتناحر، وتمنح المؤتمر إمكانية الحضور بوصفه قوةً سياسيةً ذات وظيفة حضارية وإنسانية لليمن، لا مجرد تنظيم سياسي يبحث عن السلطة.
الخلاصة:
إن هذه المعالم مجتمعة جعلت من المؤتمر مشروعًا وطنيًا وإنسانيًا شاملاً؛ ومثل هذه المشاريع، إذا أحسنت قراءة حاضرها، واستوعبت مستقبلها، وجددت أدواتها، قادرة على الخلود والاستمرارية، وصناعة التحولات الكبرى في حياة الشعوب والأمم.
المحور الثاني: التاريخ والمنجز والحضور
︎ للمؤتمر تاريخ طويل حافل بقدر كبير من المنجزات في مختلف المجالات، وعلى شتى المستويات، والمقام لا يتسع لسردها جميعاً، فضلاً عن أن كثيراً منها مشهود ومعيش، حاضر في تفاصيل الحياة اليمنية وذاكرة المجتمع..
︎ أسهم في جعل حضور اليمن الإقليمي والدولي فاعلاً ومؤثرًا ومثمرًا، ولعب أدوارًا مهمة في استقرار المنطقة، كما اضطلع بأدوار داعمة ومبادرة تجاه كثير من القضايا العربية والإسلامية والإنسانية.
︎ وانتهج سياسة تقوم على الاندماج والتعاون والتنسيق مع المحيط الإقليمي والدولي، بما يحقق مصلحة اليمن أرضًا وإنسانًا، ويخدم القضايا القومية والإنسانية في إطار من التوازن والمصالح المشتركة..
︎ واتسمت سياساته، في مراحل عديدة، بالعقلانية والواقعية والمرونة، والابتعاد عن الانفعالات والتهور؛ الأمر الذي جنّب اليمن كثيراً من حالات التصادم الإقليمي والدولي، ومكّنه من تجاوز محن وأزمات كبرى، وجنى من ذلك فوائد ومردودات إيجابية في مجالات متعددة.
︎ ونسج شبكة واسعة من العلاقات الدبلوماسية وعلاقات التعاون مع مختلف دول العالم، بما يخدم مصالح اليمن ويفتح أمامه أبواب التعاون في مختلف المجالات.
︎ وشهدت اليمن في ظل قيادته تنفيذ مشاريع كبرى في مجالات الطاقة، والغاز والنفط، والتعدين، والزراعة، والسدود، والخدمات الصحية، والتعليم بمختلف مستوياته، إلى جانب حركة واسعة من البعثات والمنح التعليمية إلى جامعات ومؤسسات أكاديمية في مختلف بلدان العالم.
︎ كما شهدت مجالات الاستثمار المحلي والخارجي، والبنية التحتية، وتطوير مؤسسات الدولة، وتحديث هياكلها، وتطوير منظومتها القانونية والدستورية، والانتقال المتدرج نحو العمل المؤسسي، خطوات وتحولات مهمة.
وأكتفي بهذا على سبيل المثال لا الحصر، مراعاةً لضوابط المقام، واختصاراً للمقال، وإبقاءً على جوهر الفكرة دون استطراد.
الخاتمة: المراجعة شرط الاستمرار
إن المراجعة والتقييم ليسا ترفًا سياسيًا، ولا ترفًا تنظيميًا؛ بل هما فعلٌ إيجابي، وواجبٌ مؤسسي، وضرورةٌ حتمية، من أجل الاستمرار والتطور والتطوير، سواءً أكنت قوياً أو ضعيفاً..
ولذلك ينبغي أن تكون المراجعة:
︎ مؤسسيةً لا فردية، ومنهجيةً لا مزاجية؛ تتم عبر المؤسسات والدوائر الرسمية المختصة، لا عبر الأفراد أو الجماعات، وبالاستعانة بالكوادر ذات الخبرة والتجربة، والمستوى العلمي والثقافي والمعرفي الرفيع، ومن مختلف التخصصات، مع مراعاة خصوصية التخصص في كل مجال..
︎ علميةً منهجيةً لا ارتجاليةً عشوائية؛ فلا مكان للاجتهادات الفردية المنفلتة، وإنما تخضع القرارات والخطط والتجارب للدراسة والتقييم، لتحديد الصلاحية من عدمها، وما يحتاج إلى تعديل أو تطوير..
︎ قائمةً على قاعدة معلومات حقيقية ودقيقة؛ لأن القرار الصحيح لا يولد من الفراغ، ولا يبنى على الانطباع، وإنما على المعلومة الدقيقة والتحليل الرصين.
︎ يحكمها العقل والمنطق؛ بعيدًا عن العاطفة والانفعال، وعن المصالح الشخصية والحسابات الضيقة..
︎ ويجب أن تُحدَّد بدقة الإيجابيات ليُبنى عليها وتُطوَّر، وأن تُحدَّد السلبيات للاستفادة منها وتجنبها وعدم تكرارها؛ فالخطأ الذي لا نتعلم منه يتكرر، والتجربة التي لا تُقرأ تتحول من درس إلى خسارة..
التحول إلى العمل المؤسسي
ضرورةٌ حتمية أن ينتقل المؤتمر انتقالاً حقيقيًا وعميقًا إلى العمل المؤسسي في قراراته، وخططه، وهياكله التنظيمية، وآليات عمله، وأن يتحرى الدقة ويلتزم المعايير في اختيار وتصعيد قياداته، وفي التدرج القيادي، وفي تنظيم العضوية، بما يجعل الكفاءة معيارًا، والقدرة ميزانًا، والتجربة رصيدًا، والنزاهة شرطًا..
فلا مستقبل لكيان كبير بعقلية صغيرة، ولا نهوض لمؤسسة إذا كانت المعايير فيها تتراجع أمام الولاءات، والكفاءات أمام العلاقات، والاستحقاق أمام المحاباة.
إعادة رسم الاستراتيجيات
يجب إعادة رسم استراتيجيات المؤتمر وفق المعطيات الجديدة في الواقع المحلي والإقليمي والدولي، مع اهتمام خاص ومركّز بمعطيات الاقتصاد العالمي؛ لأن كثيرًا من الأفعال السياسية والعسكرية، في عالم اليوم، تحركها المصالح الاقتصادية، وتتداخل فيها السياسة مع الاقتصاد بصورة عميقة.
لقد انتهى، أو كاد ينتهي، عصر الصراع التقليدي بين الأيديولوجيات الكبرى، الاشتراكية والرأسمالية، وأصبح العالم، شرقًا وغربًا، أكثر تجانسًا في منظومات الاقتصاد والسوق والمصالح المتبادلة.
ولهذا أكرر:
يجب إعادة رسم الاستراتيجيات على ضوء عالم جديد، ومعطيات جديدة، وقواعد جديدة للعبة الدولية..
فمن لا يقرأ العالم كما أصبح، سيظل أسيرًا لعالم لم يعد موجوداً..
التوقف أمام الواقع
يجب التوقف بجدية واهتمام أمام حقيقة مؤلمة لا ينبغي الهروب منها:
إن المؤتمر كان، في مرحلة سابقة، حاكمًا، وكانت تحت قيادته وتأثيره أجزاء كبيرة من مؤسسات الدولة والجيش ومقدرات البلد؛ أما اليوم فقد أصبح حضوره، في كثير من المشاهد، محدودًا إلى حد كبير، وأحيانًا يبدو شريكًا اسميًا، أو حاضرًا في المسؤولية والسلبيات، غائبًا عن صناعة القرار والإيجابيات أن وُجدت.
وليس شريكًا فعليًا، بالقدر الكافي، سواء في سلطة الأمر الواقع أو في سلطة الشرعية.
حتى في بعض اللقاءات المتعلقة بالمسار السياسي، أو اللقاءات مع المبعوث الأممي والمنظمات الدولية، أو ما يدور خلف الكواليس من لقاءات مع أطراف التحالف أو الوسطاء الإقليميين والدوليين، تبدو الصورة بحاجة إلى مراجعة جادة تعيد للمؤتمر موقعه الطبيعي ودوره الحقيقي..
وباختصار شديد:
شريكٌ في الوِزر والغُرم، غائبٌ عن الشراكة في الفعل والفائدة..
وهذه معادلة لا يمكن أن تستمر إذا أراد المؤتمر أن يستعيد دوره، أو أن يستوعب المستقبل..
المرحلة القادمة: لا مكان للعشوائية
وبنفس القدر من الاهتمام، يجب التوقف أمام طبيعة المرحلة الحالية والقادمة؛ إذ لا مكان بعد اليوم للارتجالية والعشوائية، ولا لهيمنة الوصوليين والمتسلقين، ولا لتقديم الكذابين على الصادقين، ولا لتهميش القدرات والكفاءات والعناصر المميزة التي أعطت، واجتهدت، وبذلت، وعملت بصدق وإخلاص مع المؤتمر.
فالمراحل الكبرى لا تُدار بالأهواء، ولا تُبنى بالأصدقاء، ولا تُقاد بالصدفة؛ وإنما تُدار بالعقول، وتُبنى بالكفاءات، وتُقاد بالخبرة، ويصنع نجاحها الانضباط المؤسسي.
خاتمة وخلاصة
يجب إحداث حالة تحديث شامل (Update) على جميع الأبعاد والمستويات، وفق المعطيات والتحولات الجديدة محليًا وإقليميًا ودولياً..
عالم اليوم ليس عالم الأمس..
وما كان ممكنًا في ذلك الزمان قد لا يكون ممكنًا الآن، إلا إذا تجددت الآليات، وتطورت الأدوات، وتبدلت الخطط، وتحدثت وسائل العمل، وتجدد أسلوب العطاء..
ومع ذلك، فإن البيئة اليمنية الراهنة، بكل ما أفرزته الصراعات من أزمات وانقسامات وتحديات، قد تكون مهيأة، أكثر من أي وقت مضى، لعودة المؤتمر إلى واجهة الفعل الوطني، إذا أحسن قراءة اللحظة، واستوعب التحول، وجدد نفسه، وأعاد بناء أدواته..
وحينها يمكن أن يصبح العمود الفقري للمشروع الوطني، والفيصل في معادلاته، والخيار الأوسع قبولاً لدى قطاعات واسعة من المجتمع..
فالمؤتمر، بما يمتلكه من أسس نظرية وأدبية، وطبيعة تكوين، وتجربة طويلة، وخبرة سياسية متراكمة، قادر على التجدد، وقادر على استعادة حضوره، وقادر على العودة بقوة؛ بشرط أن يأخذ بما سبق من ملاحظات، وأن يجعل من المراجعة طريقًا، ومن النقد تصحيحاً، ومن التجربة درسًا، ومن المستقبل هدفاً..
وإلا، فإن السقوط يظل احتمالاً قائماً، مهما كان رصيد الماضي عظيماً..
خاتمة الخاتمة
بعد العجز الكلي، والفشل الكامل، الذي أظهرته مختلف السلطات في الشمال والجنوب في تقديم نموذج الدولة القادرة على النهوض بالوطن، وما آلت إليه الأوضاع من تردٍّ شامل، وحالة كارثية بكل المعايير والمقاييس، فإن ذلك كله قد خلق للمؤتمر حضوراً في الوعي الجمعي اليمني لم يسبق له مثيل، حتى في أزهى عصور حضوره السياسي..
لقد أعاد هذا الواقع طرح المؤتمر، في وعي قطاعات واسعة من المجتمع، باعتباره أحد أهم الخيارات الوطنية القادرة على الإسهام في إنقاذ اليمن، وقيادة سفينته إلى بر الأمان والاستقرار والنجاح، وإعادة بناء دولة المؤسسات الحديثة، بمشاركة الجميع، دون إقصاء أو استئثار.. وهي دولة يمنية ديمقراطية اتحادية جديدة وعظيمة؛ قادرة على الائتلاف مع محيطها الإقليمي والدولي، والانتظام في إطار العصر، والسير في ركب الحداثة والحضارة، والاندماج المتوازن و المتناغم في الاقتصاد العالمي، بما يحقق المصالح المشتركة، ويصون في المقام الأول أولوية مصلحة الوطن وسيادته وكرامة إنسانه..
إن الفرصة لا تأتي دائمًا، والتاريخ لا يفتح أبوابه لكل أحد؛ لكن حين يضع الواقع أمام القوى السياسية اختبارًا وجوديًا، فإن من يحسن قراءة اللحظة، ويستوعب المستقبل، ويجدد ذاته، ويستعيد ثقة الناس، هو وحده القادر على تحويل المحنة إلى منحة، والانكسار إلى انتصار، والشتات إلى اجتماع، والفشل إلى بداية جديدة..
الله وليُّ الهداية والتوفيق، بشرط العمل..
|

| |
|
|
|
|
|
|
|
تعليق |
إرسل الخبر |
إطبع الخبر |
معجب بهذا الخبر |
انشر في فيسبوك |
انشر في تويتر |
|
|
|
|
|