يحيى عبدالله دويد - حين يرحل الكبار، لا يكون الرحيل مجرد غياب شخص، بل يكون فقدان صفحةٍ مضيئة من صفحات الذاكرة الوطنية، ورحيل مدرسة في الأخلاق والمواقف والوفاء..
ومهما أُوتِـيَت اللغة من قوة وبلاغة، فإنها تقف عاجزة عن التعبير عن مشاعر الحزن والأسى التي تعتصر القلب كلما استحضرت ذكرى أخٍ وصديقٍ وزميلٍ عزيز، هو الشيخ زيد بن محمد أبو علي، رحمه الله.. فقد كان، على الصعيد الشخصي، أخًا وصديقًا لا يُعوَّض.. وعلى الصعيد الوطني، شخصيةً اجتماعية وسياسية وبرلمانية استثنائية، يصعب أن يجود الزمان بمثلها..
لقد مضى عام على رحيله، وما زالت خسارته حاضرة في النفوس، وكأن الفاجعة وقعت بالأمس.. فالرجال من طراز الشيخ زيد لا يغيبون برحيل أجسادهم، لأن سِيرتهم تبقى حيّة في وجدان الناس، وفي ذاكرة الوطن، وفي كل موقف نبيل كانوا جزءًا منه..
عرفته عن قُرب على مدى عقود طويلة، وتَشرَّفت بعلاقة أخوة وصداقة جمعتني به، وكانت من أصدق العلاقات وأعمقها.. وكلما هَمَمْتُ أن أكتب عن بداية تلك المعرفة، وعن محطات تلك الصحبة، وجدتُ نفسي غارقًا في بحرٍ واسع من الذكريات والمواقف والأحداث التي يصعب حصرها أو الانتقاء منها.. فكل موقف معه كان يستحق أن يُروى، وكل لقاء كان يترك أثرًا لا يُنسى..
كان من أولئك الرجال الذين لا يحتاجون إلى وقتٍ طويل حتى يحتلوا مكانتهم في قلب مَنْ يلتقيهم.. فما أن تجلس إليه حتى تشعر بأنك تعرفه منذ سنوات طويلة، بما يتحلى به من صدق، وتَواضع، وبشاشة، ووفاء، ونبل في التعامل.. وكانت له قدرة فطرية نادرة على كسْب محبة الناس، وإدارة علاقاته معهم بصفاء وإخلاص، دون تَـكلُّف أو تَصنُّع، فلا يدع مناسبة إلا ويجعلها فرصة لتوثيق أواصر المحبة وصِلة الرحم وإصلاح ذات البين..
ولم يكن حضوره مرتبطًا بمنصب أو جاه، بل بما امتلكه من صفات الرجال الكبار الذين يدركون قيمة الكلمة، ويحفظون العهد، ويقفون مع الناس في أفراحهم وأتراحهم، ويجعلون خدمة الآخرين رسالةً لحياتهم..
لقد كان الشيخ زيد أحد أبرز الوجاهات الاجتماعية في اليمن، وشيخًا كبيرًا عرفه الناس بقُربه منهم، والتصاقه بقضاياهم، وحرصه على قضاء مصالحهم.. وكان مثالًا للشيخ الذي يعطي ولا ينتظر مقابلًا، ويخدم الناس قبل أن يخدم نفسه، حتى استحق محبتهم واحترامهم وإجماعهم على كريم خصاله..
كما كان سياسيًا وبرلمانيًا بارزًا، انتُخِب عضوًا في مجلس النواب لعدة دورات، وكان عميدًا لأعضاء المجلس، وعضوًا في اللجنة العامة للمؤتمر الشعبي العام، وظل طوال مسيرته ثابتًا على مبادئه، صادقًا في مواقفه، منحازًا للوطن، ومدافعًا عن الدولة ومؤسساتها، ومؤمنًا بأن المسؤولية العامة تكليف لخدمة الناس، لا وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية..
ولم تكن مواقفه الوطنية أقل شأنًا من مواقفه الاجتماعية، فقد عُرف بثباته وشجاعته، وانتصاره الدائم لقضايا الوطن، وحرصه على جمْع الكلمة، وإصلاح ذات البين، وتعزيز قِـيَم التسامح والتعاون، فكان محل تقدير الجميع، على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم..
ولعل أعظم شاهد على مكانته في قلوب اليمنيين ذلك المشهد المهيب عند تشييع جثمانه قبل عام، حين توافدت آلاف الجموع من مختلف محافظات اليمن للمشاركة في وداعه الأخير.. ولم يكن ذلك الحضور الكبير مجاملةً لرجلٍ شغل منصبًا، بل وفاءً لإنسانٍ عاش عمره بين الناس، وخدمهم بإخلاص، وترك في كل بيتٍ ومحفلٍ ذكرى طيّبة وأثرًا كريمًا..
لقد كرَّس حياته لخدمة الناس، ورعاية مصالحهم، والإسهام في خدمة الدولة والمجتمع، فكان المخلص الوفي، والصديق الصدوق، والرجل الذي بقي وفيًا لمبادئه حتى آخر أيام حياته..
رحل الشيخ زيد أبو علي، لكن سيرته لن ترحل.. فالأوطان لا تحفظ أسماء رجالها بما امتلكوا من نفوذ أو مناصب، وإنما بما قدموه من أعمال، وما غرسوه من قِـيَم، وما تركوه من أثر طيب في حياة الناس..
سيظل اسمه مقترنًا بالوفاء، والكرم، والصدق، والشهامة، وستبقى ذِكْراه وسام شرف لكل مَنْ عرفه، ولكل مَنْ سار على نهجه في خدمة الوطن والناس..
رحم الله الشيخ زيد بن محمد أبو علي رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن وطنه وأهله وكل مَنْ عرفه خير الجزاء، وألهم أسرته وذويه ومحبيه الصبر والسلوان..
"إنا لله وإنا إليه راجعون"
*عضو اللجنة العامة |