أحمد الزبيري - شعوب المنطقة وفي مقدمتها شعبنا اليمني يريدون الأمن والاستقرار والسلام، على قاعدة السيادة والاستقلال؛ ويريدون الاستفادة من ثرواتهم وطاقاتهم المادية والبشرية لتحقيق النماء والتطور والتقدم؛ وهذا ما أدركه الاستعمار الغربي من وقتٍ مبكر، وعمل على زراعة الغدة السرطانية المُسَمَّاة إسرائيل في قلب جغرافيا هذه الأمة، وصنع أنظمة تعمل لصالحه ضد شعوبها.. وأي مشروع عربي أو إسلامي يحاول التحرُّر والنهوض تسارع تلك الأنظمة مع الكيان الصهيوني والغرب الاستعماري وعلى رأسها أمريكا للقضاء عليه.. ويمكن إيراد العديد من الشواهد طوال عقود القرن الماضي وحتى اليوم..
لهذا نقول إننا يجب أن نفهم كشعوبٍ ومجتمعاتٍ ما نتعرض له من مؤامرات وصراعات وفِتَن وحروب من قِـبَل الصهاينة وأمريكا والغرب، ونعي وندرك أن ما حدث ويحدث ليس وليد ساعته بل يأتي في سياقات هذا التاريخ الذي يمكن اعتباره ليس بعيداً، مع فارق أن انهيار النظام العالمي في مطلع العقد الأخير من القرن الماضي قد فتح شهية أمريكا والغرب لفرض السيادة الأحادية الاستعمارية الجديدة على العالم؛ وما يُسمى بالشرق الأوسط كان محدَّداً لهيمنة الاستعمار في وجه الأمريكي الصهيوني القبيح..
اليمن بعد فترات من الإضعاف والفتن والأزمات تَعرَّض لعدوانٍ مباشر تحت مُسمى تحالف إقليمي ودولي تَصدَّرت لقيادته مجازاً السعودية وإلى جانبها أمريكا وبريطانيا ودويلة الإمارات، ولكن لم يسقط بالشكل الذي يريده أعداؤه وفي مقدمتهم الصهاينة بالمعنى الشامل الذين كان يتم تحضيرهم لتوسيع كيان الاحتلال في فلسطين وهيمنة إسرائيل على هذه المنطقة كوكيلٍ حصري لقوى التوحُّش والهيمنة العالمية..
بطبيعة الحال لم يكن اليمن وحده المُستهدَف في هذه المنطقة، وما تَعرَّض له العراق من غزو وتدمير، وكذلك ليبيا وسوريا ولبنان والسودان، واقع تلك البلدان يتحدث عن نفسها، مع التمييز أن مشكلة اليمن تكمن في مصيبة جواره للنظام السعودي الذي اندفع بحماس في تنفيذ المهمة بشن حرب وحشية على هذا البلد وشعبه دون أي مسوّغات أو مبرّرات قانونية أو أخلاقية وإنسانية، مُتَـغَـطّياً بشرعية صنعها مع حُماته، مستفيداً من أدوات لطالما كانت تابعةً له، وأدوات مستجدة امتهنت الارتزاق والعمالة لتحقيق مكاسب، مستفيدةً مما جرى العمل عليه من أزمات وفِـتَن ونزعات طائفية ومذهبية تم اللعب عليها لإطالة أمد العدوان وبقاء اليمن محكوماً بتلك الأدوات التي لا يجمع بينها جامع سوى المال السعودي والخليجي..
الحرب العدوانية كانت منذ البداية ذات طابع شامل عسكري واقتصادي وسياسي وإعلامي أدى إلى احتلال مناطق واسعة من الناحية الجغرافية هي المساحة الأكبر من اليمن، وإقامة كانتونات للمرتزقة أفرزت تداعيات كارثية كشفت في النهاية عن صراعٍ بين النظامين السعودي والإماراتي دفع ثمنه أبناء اليمن في المحافظات المحتلة، ولترزح المحافظات الحُرة تحت حصار مطبَق.. ولم يكن اتفاق الهدنة عام 2022م إلا فسحة من الوقت لإعادة ترتيب الأوضاع وتصفية الحسابات بين الأداتين الإقليميتين المتنافستين على تقديم الأفضلية لأمريكا والكيان الصهيوني..
الأوضاع الكارثية والمأساوية التي يعيشها الشعب اليمني في المحافظات الجنوبية والشمالية لا ينبغي أن تستمر؛ وحان الوقت لإنهاء الحصار والتوجُّه نحو تحرير اليمن واستعادة سيادته كاملةً ليصبح حُراً ومستقلاً كما يجب، وهذا القرار اتخذته القيادة الوطنية في صنعاء ولا يمكن التراجع عنه بعد أن أدركت فَخّ الخديعة المتمثّلة في الهدنة أو خفض التصعيد..
قرار اليمن وطني يمني استوجبته الضرورة، ولكن هذا لا يعني فصله عن الحرب الشاملة بين قوى الخير والشر والتي تتسع بين إيران وأمريكا وإسرائيل وأتباعهم ومَنْ يدور في فلكهم على مستوى المنطقة..
ويعلم الجميع في محور المقاومة أن مسار المواجهة مع أولئك المجرمين المتمـثّلين في الصهاينة والأمريكان يُوجِبُ وحدة ساحات جبهات المقاومة، بعد أن أدركوا أن هزيمة أو إخضاع طرفٍ فيها هزيمة للكل.. وهؤلاء جميعاً من فلسطين إلى لبنان واليمن والعراق لا خَيار أمامهم إلا النصر الذي سيكون نصراً ليس لهم وحدهم بل للأمة كلها، وعليه يتوقف مستقبل مصير الشعوب العربية والإسلامية التي عليها أن تستيقظ، لأن الإبادة في غزة ليست إلا صورة مُصغَّرة لما ستتعرض له إذا لم تواجه في هذه المعركة الحاسمة.
|