فيصل بن أمين أبوراس - تَرهَّلت مؤسسات الدولة، وهي شبكة الأمان الأولى للمجتمع، وتلاشى دور الجيش الوطني، وهو شبكة الأمان الثانية.. واليوم يبدو أن العمل يجري على تمزيق القبيلة، شبكة الأمان الثالثة والأخيرة.. فإذا انهارت هذه أيضًا، فلن يبقى للوطن ما يجمع أبناءه، وسيتحول إلى أوطانٍ صغيرة يستقطعها كل طرف لنفسه..
وعلى وَقْع الحشد والحشد المضاد، والمطرح القبلي في مواجهة المطرح القبلي، وقرع طبول الحرب، واستجلاب العتاد والسلاح المتوسط والثقيل، بدعوى أن ذلك من مقتضيات الشرف والكرامة وانتصارًا لـ«لحيقة» دهم ميرا، التي قِيلَ إنها ابنة الزعيم صدام حسين، تبرز أسئلة لا يجوز القفز عليها قبل أن تُراق الدماء، وقبل أن تُطلق فورة الغضب والعصبية العنان للانتقام وتصفية الحسابات..
لنفترض - جدلًا - أن المرأة التي لحقت بالشيخ حمد فدغم ليست في الحقيقة ابنة صدام حسين كما ادَّعت، ولا تمت إليه بِصِلة، وأن رواية المظلومية التي استندت إليها لا أساس لها من الصحة.. فهل تستقيم هذه اللحيقة وفقًا للقواعد والأعراف القبلية؟
ولنفترض أيضًا أنها بالفعل سمية، ابنة الزبيري من أرحب، لكن ادّعاءها بالتعرُّض للظلم غير صحيح.. فما حُكْم الشرع؟، وما موقف الأعراف القبلية في هذه الحالة؟
ولنذهب إلى فرضية ثالثة: أن يتبين أنها ليست ابنة صدام، ولا ابنة الزبيري، وإنما امرأة أخرى أخفت هويتها الحقيقية منذ البداية، وبنت قصتها على ادّعاءات ثبت بطلانها.. فهل تبقى اللحيقة قائمة؟، وهل تستمر آثارها ونتائجها، أم يُعاد النظر فيها وفقًا لأحكام الشرع والأعراف؟
إنها أسئلة جوهرية لا يجوز تَجاوُزها، لأن الأمر لا يتعلق بشخص بعينه، بل بسلامة الأعراف القبلية ومصداقيتها، وبحماية المجتمع من استغلال قِـيَم الجوار والنجدة لإشعال الفتن، وإثارة الاقتتال القبلي، وتصفيات الحسابات، وإحياء الثارات تحت ذرائع قد يتبين أنها قامت على الكذب والتضليل..
فإذا كانت الأعراف القبلية تُبنى على نصرة المظلوم، فإنها في الوقت نفسه لا يمكن أن تُبنى على التدليس، أو انتحال الهوية، أو الادّعاءات الباطلة.. ومن ثَم، فإن التحقُّق من الوقائع ليس انتقاصًا من قِـيَم النخوة والنجدة، بل هو صَوْنٌ لها، وحمايةٌ للأرواح، وحفاظٌ على هيبة العُرف وعدالته..
إن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم ليس مجرد نِزاع قبلي، بل أن تُستغل منظومة الأعراف نفسها لتفكيك القبيلة من الداخل.. فإذا فقد المجتمع آخر شبكات أمانه، فلن يكون الخاسر قبيلة بعينها، وإنما الوطن بأسره..
أفتونا..
|