أحمد ناصر حميدان - من حق أي مجتمع أن يغضب للمظالم، وأن يطالب بالعدالة وكشْف الحقيقة ومحاسبة الجُناة؛ لكن من واجب النخب السياسية والثقافية أن تميّز دائماً بين عدالة تحمي الدولة، وعدالة تتحول إلى مدخل لهدمها..
ما شهدناه من استدعاء للحشود القبلية، والتلويح باقتحام المدن، يفرض سؤالًا يتجاوز تفاصيل القضية نفسها: إلى أي اتجاه نسير؟، هل نتقدم نحو دولة المؤسسات والقانون، أم نتراجع إلى مرحلةٍ كانت فيها القبيلة والسلاح هما المرجعية العليا؟
المشكلة ليست في القبيلة بوصفها مكوّناً اجتماعياً أصيلاً له مكانته واحترامه، وإنما في تحويلها إلى أداة للعمل السياسي، وإلى وسيلة للضغط على مؤسسات الدولة.. فحين يصبح "النكف القبلي" بديلاً عن القضاء، وتصبح الحشود المسلحة وسيلة لانتزاع الحقوق، فإننا لا ننتصر للعدالة، بل نوجّه ضربة قاسية لفكرة الدولة نفسها..
لقد دفعت عدن، ومعها اليمن، ثمناً باهظاً لسنوات طويلة من تغليب الولاءات الضيّقة على المواطَنة، ومن تقديم السلاح على القانون.. ولهذا كان حُلم الناس، ولا يزال، هو بناء دولة مدنية تحمي الجميع، لا دولة يخضع فيها القانون لموازين القوة أو لحسابات العصبية..
المؤسف أن بعض النخب، التي طالما رفعت شعارات الدولة والمدنية، انجرفت خلف العاطفة، فأصبحت تبرّر ممارسات تتناقض مع تلك المبادئ؛ فالنخب لا تُـقاس بقدرتها على مجاراة الشارع، بل بقدرتها على ترشيد الوعي العام والدفاع عن قِـيَم الدولة في اللحظات التي تتعرض فيها للاختبار..
إن أخطر ما في هذا المسار أنه يبعث برسالة خاطئة إلى المجتمع، مفادها أن مَنْ يمتلك الحشد والسلاح هو الأقدر على فرض مطالبه.. وبهذا المنطق، لن تبقى للدولة هيبتها، ولن يكون للقانون مكانته، وستتحول كل قضية إلى مناسبة لاستعراض القوة، بدلاً من الاحتكام إلى المؤسسات..
إن الدفاع عن الدولة لا يكون انتقائياً، ولا يجوز أن يتغير بتَـغـيُّر الأشخاص أو القضايا.. فإذا قبلنا اليوم بتَجاوُز القانون تحت أي مبرّر، فلن نستطيع غداً الاعتراض عندما يُستخدَم الأسلوب ذاته ضدنا.. فالدولة ليست شعاراً يُرفَع في أوقات السلم ويُـهمَل في أوقات الأزمات، بل هي منظومة قِـيَم ومؤسسات يجب أن تبقى فوق الجميع..
إن عدن، بما تمثّله من تاريخ مدني وثقافي، تحتاج اليوم إلى خطاب يعزّز المواطَنة وسيادة القانون، لا إلى خطاب يعيد إنتاج الانقسامات ويمنح الشرعية لمنطق القوة..
فالمستقبل لن تصنعه القبيلة عندما تتحول إلى مشروع سياسي، ولن يصنعه السلاح عندما يصبح وسيلة لفرض الإرادة، وإنما تصنعه دولة عادلة، تحتكر القوة وفق القانون، وتحمي الحقوق بالمؤسسات لا بالحشود..
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس على مَنْ يستطيع أن يحشد أكثر، بل على مَنْ يستطيع أن يحافظ على ما تَبقَّى من فكرة الدولة.. وإذا خسرنا هذه الفكرة، فلن يكون هناك منتصر، لأن الجميع سيجد نفسه في وطنٍ تحكمه موازين القوة، لا موازين العدالة.
|