زعفران علي المهنا - في زمنٍ بعيد، حين كان للصوت هيبة، وللكلمة مقام، كان هناك رَجلٌ لا يشبه العابرين.. رَجلٌ يسكن الحروف وتسكنه المعاني.. لم ألتقه يوماً، لكنني عرفته كما تعرف الروح نافذتها على الضوء..
كان محمود الحاج نافذة من نورٍ في بيت بسيط لا يملك سوى قناة واحدة "قناة صنعاء".. كنا ننتظره كما ينتظر القلب رسالته، وكأن الأسبوع لا يكتمل إلا بصوته، ولا تكتمل اللغة إلا بحديثه.. كان يمر عبر الشاشة، لكنه يستقر في الوجدان..
علَّمني دون أن يدري، ورافق بدايات تشكُّـلي، وكان من أولئك الذين لا يقدمون مجرد كلام، بل يمنحونك مفاتيح العالم.. معه، لم تكن الثقافة ترفاً، بل كانت خَلاصاً صغيراً من ضِيق الحياة..
واليوم.. رحل بهدوء الكبار.. غاب الجسد، لكن الأثر ما زال يمشي بيننا، في كل كلمة جميلة، وفي كل ذائقة تشكلت على مهل..
الآن هو في ضيافة الرحمن، حيث لا ضجيج، ولا تعب، ولا انتظار.. أسأل الله أن يفيض عليه من رحمته، وأن يوسّع له في قبره مَدَّ البصر، وأن يجعل مقامه في عِلّيين، حيث تليق الأرواح النبيلة..
رحم الله مَنْ مَرُّوا في حياتنا كضوء، ولم يطلبوا مِنا شيئاً سوى أن نكون أجمل.
|