سلطان محمد سلام القدسي - ِ«كل ما صفت.. غيَّمت».. مَثَـلٌ شعبي يمني عريق، ردده الناس جيلاً بعد جيل، ثم زاد رسوخًا في الوجدان عندما تَغنى به الفنان اليمني الكبير أبو بكر سالم بلفقيه، رحمه الله.. لكنه لم يعد مجرد مَثَل يصف تقلُّبات الحياة، بل أصبح اليوم وصفًا دقيقًا لحال اليمن..
فكلما لاحت بارقة أمل، عادت الغيوم لتغطي السماء.. غير أن غيوم اليمن لم تعد تحمل المطر، بل تحمل أصوات الطائرات، ورعود الانفجارات، وبروق الصواريخ، فيتبدد الأمل قبل أن يكتمل، ويعود الخوف ليخيّم على الناس..
وما حدث الأسبوع الماضي كان صورة جديدة لهذا المشهد المتكرر.. فقد تَـعذَّر هبوط طائرة مدنية في مطار صنعاء، واضطرت إلى الهبوط بسلام في مطار الحديدة، وعلى متنها مرضى وطلاب ومدنيون كانوا يأملون أن تنتهي رحلتهم بسلام.. وما أنْ تَـنفسوا الصعداء حتى تَعرض المطار للقصف، وكأن هذا الوطن كلما اقترب من لحظة هدوء، أعادته الحرب إلى دائرة القلق والخوف..
المواطن اليمني لم يعد يعنيه مَنْ المنتصر ومَنْ المهزوم، ولا مَنْ يربح جولةً أو يخسر أخرى.. كل ما يريده أن يسافر المريض للعلاج، وأن يصل الطالب إلى جامعته، وأن يعود المغترب إلى أهله، وأن تعمل المطارات والموانئ والطرقات لخدمة الإنسان، لا أن تتحول إلى ساحات لتَبادُل الرسائل العسكرية..
لقد أنهكت الحرب اليمن أرضًا وإنسانًا.. أحرقت البيوت، وأثقلت القلوب، وأرهقت الاقتصاد، ومزَّقت الأسر، وحرمت أجيالًا من أبسط حقوقها في الأمن والتعليم والاستقرار.. ولم تَـعُد الرعود تبشّر بالمطر، ولا البروق تبشّر بالخير، بل أصبحت نذرًا لجولة جديدة من الدمار..
ومع ذلك، ما زال اليمنيون يتمسكون بالأمل.. يحلمون بيمنٍ تعود إليه الحياة، وتعود فيه المطارات مرافق مدنية، وتعود المدارس والجامعات ممتلئةً بالطلاب، وتعود الحقول خضراء، وتصبح السماء مصدرًا للخير لا للخوف..
فمتى تصفو سماء يمننا وأرضه؟.. ومتى تتحول الغيوم إلى غيث ورحمة بدلًا من الدخان والبارود؟.. ومتى يصبح الرعد بشارة مطر، لا صوت انفجار، ويصبح البرق ومضة خير، لا وهج صاروخ؟.. ومتى تكف السماء عن أن تمطر نارًا فتحرق الإنسان والحجر والشجر، لتعود تمطر غيثاً وخيرًا يعيد للوطن ما سلبته وما هدمته سنوات الحرب؟..
متى يأتي ذلك اليوم الذي تشرق فيه شمس السلام على اليمن، فلا نعود نردّد بحسرة: "كل ما صَفَت... غيَّمت"، بل نقول بفرح وطمأنينة: لقد صَفَت... وبقيت صافية.. وإنْ غبت لن تمطر الا غيثاً يُحيِي الأرض والإنسان.
|