عبدالله صالح الحاج - ليست الوحدة اليمنية مجرد تاريخ يُستعاد في المناسبات، ولا ذكرى عابرة تُرفع فيها الأعلام ثم تُطوى الصفحات، بل هي روح وطنٍ كامل، ونبض شعبٍ قرر ذات يوم أن يكسر حدود التشطير والجغرافيا والخوف، ليعلن أن اليمن أكبر من الانقسام، وأعمق من الصراعات، وأبقى من كل المؤامرات العابرة..
لقد كانت الوحدة اليمنية حدثًا استثنائيًا في تاريخ المنطقة العربية، ليس لأنها جمعت دولتين فحسب، بل لأنها أعادت صياغة الحُلُم اليمني من جديد.. ففي زمنٍ كانت فيه الخرائط العربية تتآكل تحت وطأة الحروب والانقسامات، كان اليمنيون يكتبون واحدة من أعظم لحظات الالتحام الوطني في العصر الحديث، عندما التقت الإرادة الشعبية مع التاريخ، وسقطت الحواجز النفسية والسياسية أمام كلمة واحدة: اليمن..
والوحدة في معناها الحقيقي ليست مجرد توقيع سياسي، ولا اتفاق مصالح مؤقت، بل شعوراً جمعياً عظيماً يجعل المواطن في أقصى الشمال يشعر بأن الجنوب قلبه، ويجعل المواطن في الجنوب يرى في الشمال امتداد روحه وعمقه التاريخي والحضاري.. إنها الهوية الجامعة التي لا تستطيع الحروب أن تمحوها، ولا الأزمات أن تقتلعها، لأنها سكنت وجدان الناس قبل أن تُـكتب في الدساتير..
ومَنْ يقرأ تاريخ اليمن جيدًا، سيدرك أن هذا الشعب لم يكن يومًا شعب التجزئة أو الانغلاق، بل شعب الحضارة الممتدة منذ آلاف السنين، من سبأ وحِمير ومعين، حتى الدولة اليمنية الحديثة.. فاليمنيون حين يتحدثون عن الوحدة، لا يتحدثون عن مشروع سياسي طارئ، بل عن استعادة طبيعية لوطنٍ كان واحدًا في الذاكرة والتاريخ والثقافة والمصير..
لكن الأخطر في كل المراحل التي مرت بها البلاد، أن البعض حاول تحويل الخلافات السياسية والأزمات الاقتصادية إلى معاول لهدم فكرة الوحدة ذاتها، وكأن المشكلة كانت في الوطن لا في طريقة إدارة الوطن، وفي الهوية لا في الفساد والصراع والمصالح الضيّقة.. وهنا تكمن الكارثة الكبرى؛ حين تُستهدَف الفكرة الوطنية الجامعة بدل معالجة الاختلالات التي أصابت الدولة..
إن الأمم العظيمة لا تهدم أوطانها بسبب الأزمات، بل تعيد تصحيح مساراتها.. والدول التي تَمزقت حول العالم لم تسقط لأن شعوبها اختلفت فقط، بل لأنها فقدت الإيمان بالهوية المشترَكة، وسمحت للانقسامات الصغيرة بأن تلتهم المعنى الكبير للوطن..
واليمن اليوم، رغم كل الجِراح، ما زال يحمل في داخله ذلك النبض الخالد الذي يرفض الموت.. فالوحدة ليست سلطة، وليست حزبًا، وليست مرحلة سياسية مرتبطة بأسماء معينة، بل هي قضية شعب كامل يريد أن يبقى وطنه حيًا وموحَّدًا وقادرًا على النهوض من تحت الركام..
وما يلفت الانتباه أن كل القوى التي راهنت على تفكيك اليمن، كانت تدرك أن بقاء اليمن موحَّدًا يعني بقاء شعبٍ عَصِيٍّ على الكسر، يمتلك عمقًا جغرافيًا وبشريًا وحضاريًا هائلًا.. ولذلك لم يكن استهداف الوحدة يومًا مجرد خلاف داخلي، بل كان جزءًا من مشاريع إقليمية ودولية رأت في اليمن القوي خطرًا على خرائط النفوذ والمصالح..
لكن الحقيقة التي أثبتها التاريخ مرارًا، أن اليمن قد يضعف، لكنه لا يموت.. وقد يتعب، لكنه لا يتخلى عن هويته.. فالوطن الذي صمد آلاف السنين في وجه الغُزاة والانقسامات والمجاعات والحروب، لن تعجزه أزمات الحاضر مهما بلغت قسوتها..
إن أعظم ما تحتاجه اليمن اليوم ليس المزيد من الخطابات العاطفية، بل مشروع وطني حقيقي يعيد بناء الثقة بين الإنسان والدولة، ويؤسّس لعدالة وشراكة ومواطَنة متساوية، لأن الوحدة القوية لا تُحمى بالشعارات وحدها، بل تُحمى بالعدل والتنمية وكرامة الإنسان..
فحين يشعر المواطن بأن الوطن يتسع للجميع، تتحول الوحدة من نص سياسي إلى عقيدة وطنية راسخة لا تهزها العواصف.. أما حين يُظلَم الناس وتُنهَب الحقوق وتُختطَف الدولة، فإن أخطر ما يحدث ليس الانهيار الاقتصادي، بل تَصدُّع الإيمان الوطني نفسه..
وهنا تظهر مسؤولية النخب السياسية والثقافية والإعلامية، لا في تأجيج الانقسامات أو الاستثمار في الكراهية، بل في إعادة ترميم الوعي اليمني، وتذكير الأجيال الجديدة بأن الأوطان لا تُـقاس بحجم الأزمات التي تمر بها، بل بقدرتها على البقاء موحَّدة رغم العواصف..
وفي لحظةٍ يظن فيها البعض أن الحروب قد غيَّرت وجْه اليمن إلى الأبد، تبقى الحقيقة الأعمق أن الوحدة ما زالت حيّة في وجدان الملايين؛ في لهجة الناس، في الأغاني، في الحنين، في الأسواق، في العلاقات الاجتماعية، وفي تلك المشاعر الخفية التي تجعل اليمني يشعر بأن الوطن، بكل أوجاعه، لا يمكن أن يكون إلا واحدًا..
لأن الوحدة اليمنية لم تعد مجرد حدث وَقَع في الماضي، بل أصبحت قَدَرًا تاريخيًا، وهويةً لا تقبل القسمة، ونبضًا خالدًا في قلب كل وطني غيور.
|