طه العامري - "الحرية" فِطرة، فطر الله عباده عليها، وكل مخلوق بشري منذ "أبونا آدم" وحتى "أحفادنا" والأجيال القادمة، جميعهم وُلدوا أحراراً، غير أن النواميس الحياتية والقوانين السلطوية والأعراف والتقاليد والموروثات الاجتماعية المتراكمة، كل هذه الشرائع صادرت "الحرية" وحق الإنسان الفرد في التمتُّع بقِـيَمها.. ورغم ضجيج وصخب فلاسفة الحرية ومفكّـريها ودُعاتها، إلا أن "الحرية" ظلت مُستلَبة ومصادرة، لا يتمتع بها حتى دُعاتها وفلاسفتها ومفكّـريها.. وحتى أعظم فلاسفتها ودُعاتها ومفكّـريها من أهل الشرق والغرب لم يمارسوا حقهم في الحرية الكاملة والمطلَقة، بِمَنْ فيهم فلاسفة مثل "فولتير"، و"كانط" و "كوفي"، و "لوكيوس"، و "البير كامو"، و "نيتشه"، و "وليام جلاسر"، مروراً بـ"المهاتما غاندي" و"جمال عبدالناصر" و "مانديلا"؛ دون أن نغفل رموزاً عربية وإسلامية من دُعاة الحرية أمثال "الفارابي"، وابن سيناء"، و "ابن عربي"، و"ابن رشد"، و"ابن حزم"، و"الجاحظ"؛ دون أن ننسى أبو الفلسفة العربية" الكندي".. كل هذه الكوكبة من فلاسفة الحرية من الشرق والغرب نظَّروا وفكَّـروا لـ"الحرية" أهدافها وحدودها وغايتها، لكنهم جميعاً لم يعيشوا "الحرية" التي تَحدثوا عنها وسخَّروا حياتهم وكل قدراتهم في سبيل الدعوة لها، لأن الحرية الكاملة والمطلَقة توفَّرت "للطغاة" الذين مارسوها بالطول والعرض، لكن أحداً غيرهم لم يمارسها بِمَنْ فيهم دُعاتها وفلاسفتها، الذين ذاقوا مَرارة "العبودية" بصورة أو بأخرى.. وأخطر أنواع "العبودية" هي العبودية الذاتية التي تحكم وتتحكم بصاحبها وتجعله أسيراً لرغباته الذاتية..!
يقول الخليفة عمر بن الخطاب "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً".. وهذا القول يجسّد رؤية وفهم الدين الإسلامي وشريعته ونواميسه لحرية الفرد والمجتمع.. في المقابل يقول فيلسوف مثل "كوفي": " نحن أحرار باختيار أعمالنا، لكنا لسنا كذلك لما يتعلق بتداعيات أفعالنا"، وهذا القول فيه تأكيد على أن "الحرية" قِيمة إخلاقية مثلها مثل مفهوم أو مصطلح "العدل الاجتماعي" الذي يمكن القول إن مكانه في السماء وليس له على الأرض وجود..!
إن "الحرية" بدورها مسألة نسبية الوجود في حياة البشر، بما في ذلك وجودها في حياة فلاسفتها ودُعاتها الذين تَحدثوا وأوغلوا في حديثهم عن "الحرية"، لكنهم لم يتمتعوا بها، بل اصطدموا بواقعهم الاجتماعي من ناحية، ومن الأخرى رغباتهم الذاتية التي دفعت بعضهم إلى الخضوع لمنطق الحاجة، مع إدراكهم أن ليس هناك حرية جزئية، ولكن إما أن تكون حُراً أو لا تكون..!
في هذا يقول "نيتشه": "الحرية هي الرغبة بأن نكون مسئولين عن أنفسنا".. فيما يعرّفها "البير كامو" بقوله: "الحرية هي فرصة لنكون أفضل".. وإنْ كانت الحرية لا تُمنَح وأنما يتم انتزاعها، يصفها "أبراهام لينكولن" بقوله: "الحرية هي آخر وأفضل أمل على ظهر الأرض"..
مارتن لوثر كينج يقول أيضاً: "لا يستطيع أحد أن يمتطي ظهرك إلا إذا انحنيت له"..
السؤال: هل هناك حرية.. وهل هناك أحرار على هذا الكوكب..؟!.. ثم ما هي رؤية الإسلام للحرية..؟!
|