إبراهيم ناصر الجرفي - بدون مقدّمات الأمة التي لا تمتلك مشروعاً قومياً جامعاً هي أمة فاشلة وضعيفة ومستباحة وعاجزة، وتعاني من الشتات والفُرقة والانقسام والصراعات الداخلية، فالمشروع القومي لأي أمة هو بمثابة صمام الأمان لها والقوة الدافعة لانطلاقها نحو التنافس الحضاري بكل ثقة واقتدار، ومصدر قوة وعِزة وكرامة وفخر لكل أبنائها، وسياج منيع لحماية أراضيها وثرواتها وخيراتها من الاعتداءات الخارجية والأطماع الاستعمارية، والمشروع القومي هو الفكرة السامية والعظيمة التي يلتف حولها الجميع، ويتفانون في سبيل الدفاع عنها، ولا يمكن نجاح أي عمل في هذه الحياة صغيراً أو كبيراً على مستوى الأفراد أو الشعوب أو الأمم إذا لم تُرسَم معالمه وتُحدَّد أهدافه وبرامجه وغاياته في إطار مشروع واضح المعالم، يتم الالتزام بضوابطه والسير على هُداه.. ونجاح أي أُمة هو نِتاج نجاح مشروعها القومي، الذي يتضمن منهجها الفكري والعلمي والتقدُّمي والسياسي والاقتصادي والحضاري..
إن أي أُمة لا تمتلك مشروعاً قومياً شاملاً هي كالجسد بلا عقل وبلا قيادة وبلا هدف، هي كالأعمى الذي يتخبط في الظلام ولا يعرف إلى أين يتجه وفي أي طريق يسير، فالمشروع القومي هو عقل الأمة وفكرها وقوتها ونورها وضميرها وقائدها نحو الريادة والحضارة.. والأمة التي تمتلك مشروعاً قومياً لن تُهزم ولن تُذل ولن تُهان ولن تُستعبد ولن تُستعمر ولن تُخترق ولن تُستباح، فالمشروع القومي هو حياة الأمة ووجودها وكيانها وعنوان قوتها وسيادتها، فالقومية كانت ولا تزال وستظل مصدر إلهام وتَماسُك وقوة لكل أبنائها.. وكل الدعوات المناطقية والمذهبية والطائفية والعنصرية والفئوية تصغر وتتقزم في حضور القومية، لأن القومية توحّد القلوب وتصقل الأفكار وتشحذ الهمم نحو غايات وأهداف كبيرة وعظيمة..
لذلك تعمل القوى الدولية ذات الأطماع الاستعمارية عبْر التاريخ البشري على إجهاض ومحاربة المشاريع القومية للأمم الأخرى، حتى تستبيح أراضيها وتنهب مقدراتها وإمكانياتها وثرواتها، فالأمة التي ليس لديها مشروع قومي هي أمة بلا سلاح وبلا خطوط دفاع، من السهل هزيمتها وإذلالها والسيطرة عليها والتحكُّـم في قرارها ونهب ثرواتها؛ والشاهد من ذلك أن ما تعيشه الأمة العربية اليوم من ضعف وتمزُّق وعجز وتبعية وتَراجع وتخلُّف وفشل هو النتيجة الطبيعية لعدم اصطفاف شعوبها حول المشروع القومي العربي وعدم تمسُّكها به، ومن الطبيعي مشاهدة تنامي وتطوُّر وتَصاعد الدعوات والصراعات والخلافات المناطقية والمذهبية والطائفية بين أفرادها، ففي ظل غياب المشروع القومي الكبير الجامع والشامل من الطبيعي أن تظهر وتبرز المشاريع الصغيرة باختلاف أنواعها وأشكالها؛ وفي ظل غياب المشروع القومي من الطبيعي أن تتشتت القوى وتُـهدر الطاقات وتُستنزف الثروات على مشاريع صغيرة هنا وهناك، فالمشروع القومي الكبير يوحّد القوى ويجمع الشتات ويستثمر الطاقات والقدرات نحو الأهداف والغايات المشترَكة، وما يحدث اليوم في العالم العربي من صراعات وحروب وتَدخُّلات خارجية في الشأن العربي، هو النتيجة الطبيعية لغياب المشروع القومي العربي الجامع، ولظهور وبروز المشاريع الصغيرة المتصارعة والمتنافسة.. والمشروع القومي العربي يجب أن يراعي خصوصيات وعادات وتقاليد كل الشعوب العربية، وأن يترك لكل شعب حرية اختيار نظامه السياسي تحت مظلة نظام شامل كونفيدرالي تتوحد مجالاته في العلاقات والمواقف الخارجية والدفاع المشترَك والسوق الاقتصادية المشترَكة..
وإذا كانت القوى الدولية الاستعمارية هي التي تحارب المشاريع القومية حول العالم، فهناك بالإضافة للمشاريع الدولية الاستعمارية مشاريع إقليمية توسُّعية تعمل جميعها على محاربة القومية العربية والقضاء عليها.. وفوق هذا وذاك هناك قوى داخلية موالية لتلك القوى وهي "جماعات الإسلام السياسي"، التي تحارب المشروع القومي العربي بكل شراسة.. وكم هو مؤسف أن نشاهد عناصر هذه الجماعات وهم يَسْخرون من الهوية والقومية العربية ويمجّدون هويات وقوميات أخرى، وحُجتهم في ذلك أن القومية العربية تتعارض مع عالمية الدين الإسلامي العابرة للحدود والقوميات، ناسين أو متناسين ما قدمته القومية العربية في سبيل نشْر الاسلام من تضحيات جسيمة وعظيمة.. وبذرائع وحُجج واهية يتم حرمان العرب من هويتهم وقوميتهم ووجودهم وكيانهم، وجعلهم مجرد تابع لقوميات أخرى تتحكم بهم وتسيطر وتهيمن عليهم، وذلك رغم أن الإسلام قد حفظ لكل شعب وحتى كل قبيلة هويتها، فكيف الحال بهوية أُمة بحجم الأمة العربية.. قال تعالى ((يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذَكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا))، كما أنه لا يوجد أي تعارض بين القومية والدين، فمن حق كل أُمة أن تفتخر بهويتها وتراثها وعاداتها وتقاليدها ولغتها وثقافتها التي تميّزها عن غيرها من الأمم تحت مظلة الدين الإسلامي..
وهو ما يؤكد أن كل الدعوات والمسميات ليست إلا وسائل يتم استغلالها واستخدامها لجعل العرب أُمة بلا هوية وبلا مشروع خدمةً لمشاريع قومية إقليمية أخرى تعمل على جعل العرب مجرد أتباع يدورون في فلكها ويعملون في خدمتها.. ولن تقوم للعرب قائمة ما لم يصطفوا حول هويتهم وقوميتهم العربية، ففي ظل حُكم الأحزاب القومية العربية لبعض الأقطار العربية عاش العرب مرحلة تاريخية حافلة بالعطاء والإنجاز والتلاحم والتقارب والنهضة والبناء والتقدم والأمن والاستقرار والقوة؛ ولكن بعد أن تآمرت القوى الدولية والمشاريع الإقليمية التوسٍّعية والمشاريع الداخلية الصغيرة المذهبية والطائفية (جماعات الإسلام السياسي) على المشروع القومي العربي في بعض الأقطار العربية، دخلت في مرحلةٍ من الفوضى والعنف والصراع والانقسام والتراجع، وبرزت وتعالت أصوات المشاريع الداخلية الصغيرة المذهبية والطائفية والمناطقية، لتشعل وتؤجّج نار الفتنة بين أبناء الشعوب العربية.. ولن ننسى تصريح رئيس وزراء إسرائيل عندما قال (كما انتصرنا على القومية العربية سوف ننتصر على القومية الفارسية)، القومية العربية التي تعرضت للطعن من الخلف من جماعات الإسلام السياسي الموالية لمشاريع إقليمية توسُّعية واستعمارية، والتي استخدمتها إسرائيل كأداة لهزيمة المشروع القومي العربي (جماعة الإخوان أنموذجاً)، ولن يعود السلام والأمن والاستقرار إلى ربوع البلاد العربية إلا بعودة المشروع القومي العربي وظهور أحزاب قومية ذات توجُّه قومي عربي توحّد الصفوف وتلملم الجِراح، وتتجاوز الخلافات والصراعات المذهبية والطائفية والمناطقية، التي تعيث فساداً وتخريباً وتدميراً في الديار العربية.
|