د. ناصر الدحياني - الفساد في مكان ، ومجال لا يصمد إذا طغى، لأنه حين يتجاوز حدَّه يتحول من وسيلة نفعٍ ضيقة إلى معول هدمٍ شامل يأكل أصحابه الفاسدين قبل غيرهم.. وفي قطاع التعليم تحديداً تتجلى خطورة الفساد بأوضح صورها حيث لا يفسد حاضر المؤسسات التعليمية من (مدارس- جامعات - كليات مجتمع .. وغيرها) فحسب، بل يسرق مستقبل الأجيال، ويكسر أساس الدولة بأكملها. فعندما تتحول الشهادات التعليمية إلى سلع، والمناصب الأكاديمية إلى محاصصة، والبحث العلمي إلى احتفالات، ومجاملات، فإننا لا نبني عقولاً بل ننتج فراغاً معرفياً يُدار بواجهة تعليمية زائفة..
وقد أثبتت تجارب دول عدة أن الفساد في التعليم بكل مراحله كان بوابة الانهيار لهذه الدول وسوف نضرب بعض الأمثلة هنا لسقوط المؤسسات التعليمية والدول بسبب هذا الفساد الذي طال التعليم.. فمثلاً في بعض دول أوروبا الشرقية بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، انتشر بيع الشهادات وضعف الالتزام بالمعايير الأكاديمية، فتراجعت الثقة بالمؤسسات التعليمية، والحامعات وانعكس ذلك مباشرة على كفاءة مؤسسات الدولة.. وفي دولة نيجيريا أدى الفساد في الجامعات والتوظيف التعليمي إلى تخريج كوادر غير مؤهلة، فضعفت الإدارة العامة وتفاقمت الأزمات الاقتصادية، والاجتماعية كما شهد العراق بعد اجتياح أمريكا له آثاراً سلبية للمحسوبية والتسييس داخل الجامعات، مما أسهم في تراجع جودة التعليم واختلال بناء المؤسسات التعليمية وتراجع التعليم إلى الخلف عقود، وفسدت مؤسسات الدولة بسبب الفساد في المؤسسات التعليمية بعد أن كانت الجامعات العراقية يشهد لها في جودة التعليم ،وجودة مخرجاتها..
وفي المقابل سوف نضرب أمثلة لتجارب ناجحة لدول حاربت الفساد في المؤسسات التعليمية، وعرف أن إصلاح التعليم ومؤسساته هو المدخل الحقيقي لنهضة الدول فمثلا في: دولة فنلندا جرى القضاء على مظاهر الفساد الإداري والتجاري، وأُعيد بناء النظام التعليمي على أسس الكفاءة والعدالة، فأصبحت من بين الدول الأفضل عالمياً.
وفي سنغافورة كان الحزم في محاربة الفساد داخل المؤسسات التعليمية ركيزة أساسية في تحولها إلى دولة متقدمة.. وكذلك في دولة كوريا الجنوبية التي جعلت النزاهة التعليمية أولوية وطنية، فانعكس ذلك على نهضة صناعية وتقنية لافتة.. ومن تلك التجارب السابقة نستنتج ان محاربة الفساد في مؤسسات التعليم، والحصول في هذه المؤسسات على: تعليم نزيه فإن ذلك يصنع دولة قوية، وأن التعليم الفاسد يهدمها من الداخل بصمت، إضافة إلى ذلك فإن إصلاح المناهج التعليمية في هذه المؤسسات فقط لا يكفي ما لم يُصاحبه إصلاح في الأنظمة والضمائر، وضمان للعدالة والشفافية في كل مفاصل العملية التعليمية، لأن الفساد مهما طال لا يصمد إذا طغى، ولأن لحظة انكشافه هي بداية سقوطه وبداية وعي المجتمعات بحقها في تعليم حقيقي لا وهمٍ مُقنّع.
|