موقع المؤتمر نت



موقع مايو نيوز



موقع معهد الميثاق


صنعاء توجه تحذيرات جديدة - الأمين العام المساعد يواسي آل الحريبي - معطى: 21 عملاً مقاوماً بالضفة والقدس خلال يومين - رئيس المؤتمر يواسي آل الشاطر - مجيديع يعزي الشيخ عبدربه راجح - بن حبتور: اليمن سيبقى عصياً على أعدائه - كتاب وصحفيون : إدارة الأزمات أحد المعايير الأساسية التي تقاس بها كفاءة الحكومات - المشاط يؤكد المضي في إنهاء العدوان - بيانٌ بـ3 عمليات جديدة للقوات المسلحة.. ماذا استهدفت؟ - العدو يستهدف شبكة اتصالات السبرة في إب -
مقالات
الميثاق نت -

الأحد, 29-مارس-2026
عبدالكريم العواضي -
حين يُطرح سؤال عن القوة الناعمة غالبا يفهم على أنه سؤال ثقافي أو سياسي ، لكن الحقيقة أن للقوة الناعمة بُعداً اقتصادياً مهماً.. ومع ذلك يجب توضيح نقطة أساسية منذ البداية : القوة الناعمة نفسها ليست قطاعاً اقتصادياً واحداً يمكن قياسه مباشرةً في الناتج القومي، لأنها في الأصل مفهوم سياسي وثقافي واقتصادي أيضاً..

المفهوم صاغه عالم العلاقات الدولية Joseph Nye في التسعينيات، ويعني قدرة دولة أو مجتمع على التأثير في الآخرين وجذبهم دون استخدام القوة العسكرية أو الضغط الاقتصادي المباشر..

لكن رغم أن القوة الناعمة مفهوم سياسي، إلا أن آثارها الاقتصادية يمكن قياسها عبر القطاعات التي تنتج عنها.. فعادةً يتم حساب الدخل الاقتصادي المرتبط بالقوة الناعمة من خلال عدة قطاعات رئيسية مثل :
• السياحة
• الصناعات الثقافية والإبداعية
• التعليم الدولي والجامعات
• الإعلام والترفيه
• الرياضة العالمية
• التكنولوجيا الثقافية
• العلامات التجارية الوطنية

وعند جمع هذه القطاعات في أغلب الاقتصادات المتقدمة نجد أنها تمثّل عادة بين 8٪ و15٪ من الناتج المحلي الإجمالي وأحياناً تصل إلى 30% من الناتج القومي للدول مع ارتفاع هذه النسبة أو انخفاضها بحسب طبيعة الاقتصاد..

في بعض الدول السياحية والثقافية الكبرى يمكن أن تصل مساهمة هذه القطاعات إلى أن تكون عصب الاقتصاد.. لننظر إلى بعض الأمثلة الدولية لفهم حجم الاقتصاد المرتبط بالقوة الناعمة.. في الولايات المتحدة تشمل القطاعات المرتبطة بالقوة الناعمة صناعة السينما في هوليوود، والجامعات العالمية ، والإعلام الدولي ، والسياحة ، إضافةً إلى التكنولوجيا الثقافية.. تشير تقديرات الاقتصاد الثقافي إلى أن هذه القطاعات تمثّل ما بين 10٪ و12٪ من الناتج المحلي الأمريكي، أي ما يقارب 3 إلى 3.5 تريليون دولار سنوياً.. أما في بريطانيا يشكّـل الاقتصاد الإبداعي، الذي يشمل السينما والموسيقى والإعلام والموضة والمتاحف والجامعات، نحو 6٪ إلى 8٪ من الناتج القومي..

أما كوريا الجنوبية فقد نجحت في تحويل الثقافة إلى صناعة اقتصادية حقيقية من خلال الموسيقى العالمية K-Pop والدراما الكورية والألعاب الإلكترونية والسينما.. وتقدّر الحكومة الكورية مساهمة هذه الصناعات بنحو 5٪ من الناتج القومي.. وفي تركيا تعتمد القوة الناعمة الاقتصادية على السياحة والمسلسلات التلفزيونية والطعام والثقافة الشعبية وشركات الطيران.. السياحة وحدها تمثّل تقريباً 8% من الاقتصاد التركي؛ أما إجمالي القوة الناعمة التركية فيصل إلى 28%..

وفي دول سياحية مثل إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وتايلاند يمكن أن تصل القطاعات المرتبطة بالقوة الناعمة إلى 15٪ أو حتى 20٪ من الناتج المحلي الإجمالي..

هذه الأرقام تبين أن القوة الناعمة ليست مجرد مفهوم ثقافي أو رمزي بل أصبحت جزءاً مهماً من الاقتصاد العالمي؛ بل وحصلت خلافات سياسية بين الدول بسبب السيطرة على القوة الناعمة..

لكن إذا انتقلنا إلى اليمن سنجد مفارقة لافتة.. اليمن يمتلك محزوناً كبيراً من عناصر القوة الناعمة ولكنه لم يتحول إلى اقتصاد حقيقي حتى اليوم..

قبل الحديث عن الأرقام يجب أولاً فهم أنواع القوة الناعمة عالمياً، والتي يمكن تصنيفها عادةً إلى ثمانية أنواع رئيسية:

النوع الأول هو القوة الثقافية ، وهي قدرة الثقافة على جذب العالم . وتشمل الموسيقى والسينما والأدب والفنون والطعام . كوريا الجنوبية استخدمت الموسيقى والدراما، وتركيا استخدمت المسلسلات التاريخية و الطعام التركي ، بينما استخدمت اليابان الأنمي و السوشي . كون الثقافة في كثير من الأحيان قادرة على تغيير صورة بلد بالكامل .

النوع الثاني هو القوة التعليمية والعلمية . الدول التي تمتلك جامعات قوية تجذب آلاف الطلاب من العالم، وهؤلاء الطلاب يعودون إلى بلدانهم وهم يحملون علاقات وأفكارا وإعجابا بالنظام التعليمي الذي درسوا فيه. الجامعات العالمية مثل Harvard University وUniversity of Oxford تعد من أهم أدوات القوة الناعمة للولايات المتحدة وبريطانيا. اما في الشرق الاوسط فقد برزت الجامعات المصرية كقوة ناعمه للدول المصرية بالاضافة للانتاج الاعلامي و التاريخ المصري .

النوع الثالث هو القوة الإعلامية ، لأن الإعلام يصنع الصورة الذهنية للدولة. شبكات إعلامية دولية مثل BBC وAl Jazeera Media Network وCNN تلعب دورا كبيرا في تشكيل الرأي العام العالمي . في الشرق الاوسط برزت السينما المصري و الفن المصري خاصة مع ام كلثوم و جعلوا منها اسطورة عالمية .

النوع الرابع هو القوة الدينية والروحية . فالدين يعد من أقدم أشكال القوة الناعمة في التاريخ. مدن دينية عالمية مثل فمكة و المدينة و الفاتيكان و حتي قم في ايران و معابد الهندوس في الهند جميعها تمتلك تأثير روحيا وثقافيا واسعا يتجاوز حدود الدول . و لكن مصر نجحت ايضا في جعل الازهر منارة دينية و توظيفها كقوة ناعمة الدول .

النوع الخامس هو القوة الاقتصادية النموذجية، حيث تتحول بعض الدول إلى نماذج اقتصادية يحتذي بها الآخرون . مدن مثل سنغافورة و دبي و لندن و نيويورك أصبحت مصدر إلهام اقتصادي لكثير من الدول .

النوع السادس هو القوة الدبلوماسية ، حيث تلعب بعض الدول أدوارا مهمة في الوساطة الدولية أو إدارة النزاعات عبر مؤسسات مثل United Nations. و نجحت الاردن و مصر اقليميا و ايضا قطر و دوليا بريطانيا استغلت الدوبلماسية كقوة ناعمه .

النوع السابع هو القوة الإنسانية ، أي المساعدات الإنسانية والإغاثة الدولية والعمل الخيري ، وهي أنشطة تبني سمعة إيجابية وثقة عالمية .

أما النوع الثامن فهو القوة الرقمية والتكنولوجية، وهي أحد أهم أدوات النفوذ في العصر الحديث. شركات مثل Apple وGoogle وMicrosoft تؤثر في حياة مليارات البشر حول العالم .

الدول الأكثر تأثيرا هي تلك التي تجمع عدة أنواع من هذه القوى في وقت واحد .

إذا طبقنا هذا الإطار النظري على اليمن سنجد أن اليمن يمتلك بعض عناصر القوة الناعمة المهمة مثل الثقافة والتاريخ والتراث الطبيعي و ايضا المطبخ اليمني و المنتجات اليمنية ، لكن هذه العناصر لم تتحول إلى قطاعات اقتصادية حقيقية حتي اليوم .

لفهم حجم الفرصة الاقتصادية يمكن النظر إلى ثلاثة قطاعات فقط من القوة الناعمة اليمنية .

القطاع الأول هو السياحة الثقافية والتاريخية .

اليمن يمتلك واحدة من أقدم الكتل المعمارية التاريخية في العالم العربي. مدن مثل صنعاء القديمة وشبام حضرموت وزبيد وكوكبان وجبلة ليست مجرد مدن تقليدية، بل تمثل متاحف حضرية كاملة تعود إلى قرون طويلة .

في العالم هناك مواقع أثرية أصغر بكثير تجذب ملايين السياح سنويا . موقع مثل Petra يجذب في الظروف الطبيعية نحو مليون زائر سنويا .

لو استقر اليمن وتم فتح السياحة تدريجيا يمكن للمدن التاريخية اليمنية أن تجذب مابين 3-4 مليون سائح سنويا .

متوسط إنفاق السائح الثقافي عالميًا يتراوح بين 1200 و1800 دولار . هذا يعني أن السياحة الثقافية وحدها يمكن أن تولد ما بين 6-7 مليارات دولار سنويا .

القطاع الثاني هو السياحة البيئية .

جزيرة سقطرى تعد واحدة من أندر الأنظمة البيئية في العالم ، ونسبة كبيرة من نباتاتها وحيواناتها لا توجد في أي مكان آخر على الأرض. كثير من الباحثين يقارنونها بجزر Galapagos Islands.

غالاباغوس تستقبل نحو 250 ألف سائح سنويا لكنها تحقق أكثر من 1.5 مليار دولار سنويًا بسبب طبيعة السياحة البيئية عالية القيمة .

لو تم تطوير سقطرى وفق نموذج مشابه يمكن أن تستقبل 200 إلى 300 ألف سائح سنويًا وتحقق ما بين 2 إلى 3 مليار دولار سنويا .

القطاع الثالث هو القهوة اليمنية .

القهوة اليمنية ليست مجرد محصول زراعي ، بل هي منتج تاريخي ارتبط اسمه عالميا بميناء المخا. حتى اليوم ما زالت كلمة “موكا” تستخدم في صناعة القهوة العالمية .

بعض أنواع البن اليمني تباع عالميا بأسعار مرتفعة جدا مقارنة بالقهوة التجارية . ولو تم تطوير زراعة البن وتحسين الإنتاج والتسويق يمكن أن يصل إنتاج اليمن إلى 30 إلى 40 ألف طن سنويا من القهوة عالية الجودة .

في هذه الحالة يمكن أن يحقق قطاع القهوة وحده ما بين مليار إلى ملياري دولار سنويا .

إذا جمعنا هذه القطاعات الثلاثة فقط سنجد أن اليمن يمكن أن يضيف لاقتصاده:

السياحة الثقافية: 6-7 مليار دولار
السياحة البيئية: 2-3 مليار دولار
القهوة اليمنية: 1 – 2 مليار دولار

أي ما مجموعه 10-11 مليارات دولار سنويا .

هذا الرقم كبير إذا ما قورن بحجم الاقتصاد اليمني الحالي ، الذي يقدّر بنحو 20 إلى 25 مليار دولار.

بمعنى آخر يمكن للقوة الناعمة وحدها أن تضيف ما بين 20٪ و30٪ إلى الناتج القومي لليمن . و تخلق ما يزيد عن 3 ملايين وظيفة بشكل مباشر او غير مباشر .

وهنا تظهر المفارقة الحقيقية .

اليمن لا يعاني فقط من نقص الموارد الاقتصادية ، بل يعاني أساسا من عدم تحويل موارده الثقافية والطبيعية إلى اقتصاد منتج .

الدول الحديثة لم تعد تعتمد فقط على النفط أو الصناعة الثقيلة ، بل أصبحت تستثمر في الثقافة والسياحة والهوية الوطنية كجزء من الاقتصاد .

كوريا الجنوبية صدّرت الموسيقى والدراما .
تركيا صدرت المسلسلات والسياحة التاريخية .
دول أخرى بنت اقتصادات كاملة حول التراث والثقافة..

أما اليمن، فرغم امتلاكه تاريخا وثقافة وطبيعة فريدة ، ما زالت هذه العناصر خارج الاقتصاد..

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا اليمن فقير..

السؤال الأهم هو: هل اليمن يمتلك فقط ثلاثة أنواع من القوة الناعمة ممكن أن يكون دخلها السنوي يفوق 11 مليار دولار..
الجواب : لا ..

اليمن يمتلك فعلياً أكثر من ثلاثة أنواع من القوة الناعمة.
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
معجب بهذا الخبر
انشر في فيسبوك
انشر في تويتر
المزيد من "مقالات"

عناوين أخرى

الافتتاحية
الذكرى 63 لثورة 14 أكتوبر المجيدة عام 1963م
أ. د / عبدالعزيز صالح بن حبتور*

حوارات
جريمة الرئاسة
مقالات
الحوار المسئول فجر يمننا الجديد
يحيى نوري

عندما يسقط الوعي في فخ التوصيف
أماني محمد

صدقوني.. البندقية لن تنتصر..!!
د. عبدالوهاب الروحاني

فائض القوة والثروة لا يصنع نصراً
أحمد الزبيري

البردوني... الشاعر الذي لم يشبه عصره
زعفران علي المهنا

متى سينتهي موسم الحصاد؟
يحيى حسين العرشي

من يرحم المواطن من لهيب الأسعار؟!
عبدالسلام الدباء

صنعاء ليست تابعة لأحد
د. أحمد إبراهيم القديمي

متى نتعلّم أن نختلف ونبقى أهلًا؟
نبيل الجماعي

سقوط المعايير: عندما تصبح قاعات الفنادق في (جنيف) منصة لإطلاق النكف القبلي !!
محمد علي اللوزي

اليمن ليس ساحةً مفتوحةً للحروب إلى الأبد
د. يحيى أبو زكريا

جميع حقوق النشر محفوظة 2006-2026 لـ(الميثاق نت)