محمد علي اللوزي - تطرح هذه التساؤلات التي نقدمها قراءة لمشهد سياسي معقد يتجاوز حدود الجغرافيا الخليجية ليشمل هيكلية النظام العالمي الجديد.. إن الحديث عن الصحوة الخليجية من حالة الاستلاب أو التبعية لم يعد مجرد ترف فكري، بل أصبح ضرورة وجودية تفرضها تقلُّبات السياسة الأمريكية التي أثبتت عبر محطات تاريخية عِدة أنها لا تعرف صداقات دائمة بل مصالح دائمة فقط، وإسرائيل أولاً..
فلطالما اعتمدت معادلة الأمن في الخليج على مقايضة النفط بالحماية، إلا أن هذه المعادلة تَصدَّعت بشكل غير مسبوق في الآونة الأخيرة.. لقد أدركت العواصم الخليجية أن المظلة الأمنية الأمريكية لم تعد صلبة كما كانت، ففي اللحظات الحرجة التي هددت أمن الطاقة والبنية التحتية الاستراتيجية، وجدت هذه الدول نفسها أمام براغماتية أمريكية باردة تفضّل تَجنُّب الصدام المباشر وتكتفي ببيع المزيد من السلاح لتعزيز الخزينة الأمريكية، دون تقديم ضمانات أمنية حقيقية تحمي المكـتَسَبات الاقتصادية الضخمة..
هذا الذعر الذي أشير إليه ليس ضعفاً بقدر ما هو وعي بالخطر، وعي بأن التريليونات التي ضُخَّت في الأسواق الغربية لم تمنح الخليج مقعداً متكافئاً، بل جعلته رهينة لنظام مالي عالمي تقوده واشنطن كأداة للضغط السياسي..
والواقع أن الممر الإجباري الذي يقود دول الخليج نحو السيادة الحقيقية يمر عبر بوابة البترودولار؛ فمنذ سبعينيات القرن الماضي كان الدولار هو الرئة التي يتنفس بها الاقتصاد الأمريكي بفضل النفط العربي.. واليوم، تبرز تساؤلات حول الجرأة السياسية في اتخاذ حطوة الانقلاب النقدي
من خلال التحوُّل لبيع النفط باليوان الصيني أو العملات المحلية ضمن تكـتُّلات مثل (بريكس) فهذا ليس مجرد خطوة اقتصادية، بل هو إعلان استقلال سياسي..
ذلك أن توازن القوى مع بروز فنزويلا كبديل مُحتمَل، لم يعد الخليج بالنسبة لواشنطن الابن المدلل، الأمر الذي يدفع بدول المنطقة للبحث عن شركاء أكثر موثوقية في الشرق (الصين وروسيا) مثلاً، حيث تقوم الشراكات على المصالح المتبادَلة وعدم التدخُّل في الشؤون الداخلية..
على هذا الأساس يبدو أن الدرس الأهم الذي يبدو أن العواصم الخليجية بدأت في استيعابه، هو أن الأمن الحقيقي يُصنع في المنطقة ولا يُستورد من وراء البحار؛ فالانفتاح على طهران، ومحاولات إنهاء النزاعات الإقليمية، يعكس توجُّهاً جديداً يهدف إلى تحصين الجبهة الداخلية وحماية المشاريع العملاقة مثل رؤية 2030م وغيرها من أي ارتدادات لحروب إقليمية..
هذا كفيل بإنهاء الذرائع التي تستخدمها القوى الإمبريالية للوجود العسكري الدائم بزعم حماية المنطقة من الخطر الإيراني..
فهل تمتلك دول الخليج إرادة النصر؟، وهي تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي..
إن الإمكانات الهائلة، والقدرة على هز العرش الاقتصادي الأمريكي حقيقية عبر سلاح العملة والطاقة؛ لكن هذه الخطوة الجريئة والقوية والحاسمة تتطلب سيادة كاملة وتكاتفاً إقليمياً غير مسبوق..
إن التحوُّل من حالة الارتهان إلى الانتصار والتخلُّص من الابتزاز الامبريالي يبدأ من الداخل، عبر الإيمان بأن الثروة النفطية ليست مجرد أرقام في البنوك الغربية، بل هي أداة ضغط استراتيجية قادرة على صياغة نظام عالمي متعدد الأقطاب تكون فيه السيادة للقرار الوطني لا للإملاءات الخارجية..
والحقيقة أن قراراً كهذا لن يكون مجرد خضة اقتصادية عابرة، بل سيكون بمثابة زلزال جيوسياسي ينهي الحقبة التي تلت الحرب العالمية الثانية؛ فالدولار لا يستمد قوته من الذهب منذ عام 1971م، بل يستمدها من كونه العملة الوحيدة لشراء النفط (البترودولار).. بهذا التحوُّل الكبير
فإن الانهيار الفوري لطلب الدولار يصير فاعلاً، وستضطر كل دول العالم (الصين، الهند، اليابان، أوروبا) التي لديها احتياطيات ضخمة من الدولار لشراء الطاقة بالتخلُّص من مخزونها الدولاري الفائض..
الأمر الذي يصل بنا إلى انخفاض حاد في قيمة الدولار عالمياً، مما يؤدي إلى تَضخُّم جامح داخل الولايات المتحدة لأن القوة الشرائية للدولار ستنكمش بسرعة..
كما أن الولايات المتحدة ستفقد امتياز الطباعة بلا حدود
والتي تعتمد عليها بطباعة تريليونات الدولارات لتمويل ديونها وحروبها معتمدةً على أن العالم مُجـبَر على امتصاص هذه العملة؛وبهذا ستفقد واشنطن القدرة على تصدير تَضخُّمها للخارج، وستضطر لرفع أسعار الفائدة لمستويات جنونية لجذب المستثمرين، مما قد يؤدي إلى ركود اقتصادي أمريكي شامل وانهيار في سوق العقارات والأسهم..
ومن المؤكد في هذه الحال أن قراراً كهذا
سيؤدي إلى شرعنة العملات المنافسة فوراً، فاليوان الصيني سيتحول إلى عملة احتياطي عالمي حقيقية، مما يمنح الصين نفوذاً سياسياً يضاهي نفوذها الاقتصادي..
وقد نشهد عودةً لتبادل السلع بالسلع أو بالذهب، مما يضعف فاعلية العقوبات الأمريكية التي تعتمد كلياً على نظام( سويفت) المرتبط بالدولار..
فهل تجرؤ دول الخليج على أن تهتبل الفرصة السانحة وتعلنها مدويةً عن فك ارتباطها بالدولار إلى عملات أخرى في بيعها لنفطها؟!.. أم ستبقى حبيسة التفكير الآني المحدود وتغض الطرف عن خطر الهيمنة الصهيوأمريكية وتبقى أسيرة وَهْم أن العدو لها هي إيران ودول الجوار في المنطقة؟!..
الواقع أن ثمة تداعيات خطيرة وسريعة ما لم تنتبه لها دول النفط الخليجية فإنها لا محالة إلى زوال..
|