المستشار / أحمد علي جحاف - ليست حركة التاريخ فوضى عمياء تسير بلا هدى، ولا انتصارات الأمم وانكساراتها مجرد مصادفات عابرة تتقاذفها الرياح.. فالتاريخ - في جوهره العميق - تحكمه سنن دقيقة، تتكرر عبر الأزمنة وإن تبدلت الوجوه والرايات.
ومن أبرز هذه السنن أن الأمم التي تُحكِّم العقل في قراراتها، وتزن خطواتها بميزان التخطيط وتقدير العواقب، تميل في النهاية إلى ترجيح كفة المستقبل لصالحها؛ بينما تنتهي الأمم التي تُسلّم مصيرها للاندفاع والعاطفة إلى دفع أثمان باهظة من أمنها واستقرارها وربما من وجودها ذاته.
فالعقل في حياة الأمم ليس مجرد قدرة ذهنية أو مهارة في الحساب، بل هو منظومة كاملة من الرشد السياسي، والبصيرة الاستراتيجية، والانضباط أمام إغراء اللحظة.
إنه القدرة على أن ترى الدولة ما وراء اللحظة، وأن تضع الحماسة تحت رقابة الحكمة، لا العكس.
العقل أساس القوة:
الأمم العاقلة لا تقيس قوتها بوهج اللحظة ولا بضجيج الشعارات، بل بامتداد الزمن، فهي تدرك أن القوة الحقيقية لا تُولد في العواصف، بل تُبنى في صبر السنوات.. ولهذا تبني قوتها كما تُبنى الجبال: طبقة فوق طبقة، وصبر فوق صبر.
ومن هنا تعلي هذه الأمم من شأن العلم، والتنظيم، والمؤسسات، وتُخضع قراراتها لميزان المصالح الوطنية لا لاندفاع العواطف العابرة.
فهي تعرف أن الدولة التي تُدار بالعاطفة قد تنتصر في خطاب، لكنها تخسر في معركة.
※ وقد جسّدت اليابان هذا الدرس بوضوح نادر بعد الحرب العالمية الثانية.
فدولة خرجت من الحرب مدمَّرة، ومدنها تحت الرماد، وجيشها مهزوم، لكنها اختارت طريق العقل لا طريق الانتقام..
استثمرت في الإنسان قبل السلاح، وفي التعليم قبل الشعارات، وفي الصناعة والتكنولوجيا قبل المغامرات.
وخلال عقود قليلة فقط تحولت من دولة منكوبة إلى إحدى أكبر القوى الاقتصادية في العالم. كان ذلك - في حقيقته - انتصاراً للعقل الهادئ على الانفعال العابر.
حين تتحول السياسة إلى مغامرة:
على الجانب الآخر، تقع الأمم المغامرة في وهم القوة، فتخلط بين الحماسة والقدرة، وبين الإرادة والواقع، وهنا تتحول السياسة من فن إدارة الممكن إلى مقامرة بمصير الدولة، وتتحول الحروب من أدوات محسوبة إلى اندفاع غير محسوب العواقب.
※ وقد قاد أدولف هتلر ألمانيا إلى هذا المصير.. بدأت مغامراته العسكرية بانتصارات خاطفة أوحت للكثيرين أن القوة لا سقف لها، لكن الطموح حين يتجاوز قدرة الدولة يتحول إلى عبء قاتل.. وما هي إلا سنوات قليلة حتى تحولت تلك الانتصارات إلى انهيار شامل جرّ ألمانيا وأوروبا إلى واحدة من أعنف كوارث التاريخ الحديث.
※ وليس بعيداً عن هذا الدرس ما وقع في حرب عام 1967م، حين دخلت دول عربية المواجهة في أجواء مشحونة بالخطاب العاطفي والتقديرات المتفائلة، بينما كان الخصم يتحرك وفق حسابات أدق وتنظيم أكثر صرامة واستعداداً أعمق، فجاءت النتيجة صدمة تاريخية كشفت أن الشعارات لا تغني عن الإعداد، وأن الحماسة وحدها لا تصنع النصر.
※ وتتكرر الصورة حين تتحول السلطة إلى مسرح للمغامرات الشخصية.
فقد أدت قرارات صدام حسين المتعجلة - من الحرب العراقية الإيرانية إلى غزو الكويت - إلى استنزاف العراق وإدخاله في دوامة طويلة من الحروب والعقوبات، انتهت في النهاية بانهيار الدولة وتفكك بنيتها وتراجع دورها في محيطها الإقليمي.
أخطر من المغامرة.. حين تُبنى السياسة على الوهم
غير أن الخطر لا يقف عند حدود المغامرة السياسية، بل يبلغ ذروته حين تُبنى الاستراتيجيات الكبرى على الأوهام والأساطير أو على تأويلات غيبية تُستدعى لتبرير قرارات الواقع.
فالإيمان بالغيب قيمة روحية راسخة في وجدان الإنسان، لكنه لا يصلح أن يكون أساساً للتخطيط السياسي أو العسكري؛ لأن الغيب بيد الله وحده، ولا يعلم البشر متى يتحقق أو كيف يقع.. أما السياسة فهي فن التعامل مع الواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.
ولهذا جاءت السنن الإلهية واضحة في جوهرها: الأخذ بالأسباب، والعمل وفق قوانين الواقع، فالنصر لا يتحقق بالتمنيات، بل بالإعداد والعلم والتنظيم. وحين تستبدل الأمم الحسابات الواقعية بالأوهام، فإنها - في الحقيقة - تعطل عقلها وتفتح أبواب الهزيمة على نفسها.
الشجاعة الحقيقية:
العقلانية لا تعني الجبن، كما أن المغامرة لا تعني الشجاعة.. فالشجاعة الحقيقية ليست في الاندفاع الأعمى، بل في القدرة على اتخاذ القرار الصحيح في اللحظة الصعبة، حتى لو كان ذلك القرار مراً.
ولهذا قد تقتضي الحكمة السياسية أحياناً تجنب المواجهة، أو القبول بتسويات ومفاوضات تبدو مؤلمة في ظاهرها، إذا كانت الحروب ستقود إلى خراب الأوطان وإهلاك الإنسان وتدمير ما بنته الأجيال عبر الزمن.. فليس كل تراجع هزيمة، كما أن ليس كل اندفاع بطولة.
خلاصة القول الحكيم المنير:
إن انتصار الأمم العاقلة ليس معجزة تاريخية، بل نتيجة طبيعية لمنهج يقوم على العلم والتخطيط وضبط العاطفة، أما المغامرة فقد تمنح صاحبها وهجاً سريعاً يلمع في لحظة، لكنها كثيراً ما تورث الأمم عقوداً طويلة من الخسارة.. ولهذا تبقى القاعدة الكبرى في حركة التاريخ واضحة لمن أراد أن يتعلم:
الأمم التي تفكر قبل أن تتحرك تبني مستقبلها، أما الأمم التي تتحرك قبل أن تفكر فغالباً ما تهدمه بيديها.
فالعقل - في نهاية المطاف - ليس فضيلة أخلاقية فحسب، بل هو شرط البقاء، وأداة الانتصار في صراع الأمم الطويل.
|