موقع المؤتمر نت



موقع مايو نيوز



موقع معهد الميثاق


صنعاء توجه تحذيرات جديدة - الأمين العام المساعد يواسي آل الحريبي - معطى: 21 عملاً مقاوماً بالضفة والقدس خلال يومين - رئيس المؤتمر يواسي آل الشاطر - مجيديع يعزي الشيخ عبدربه راجح - بن حبتور: اليمن سيبقى عصياً على أعدائه - كتاب وصحفيون : إدارة الأزمات أحد المعايير الأساسية التي تقاس بها كفاءة الحكومات - المشاط يؤكد المضي في إنهاء العدوان - بيانٌ بـ3 عمليات جديدة للقوات المسلحة.. ماذا استهدفت؟ - العدو يستهدف شبكة اتصالات السبرة في إب -
مقالات
الميثاق نت -

الثلاثاء, 17-مارس-2026
عبدالكريم العواضي -
هذا النص يجيب عن سؤالين، الأول لماذا اليمن فقير.. والثاني التكلفة الاقتصادية لـ "107" أعوام من الحروب والفرص الضائعة..
هناك أرقام يجب أن نبدأ بها لأنها تضع النقاش في إطاره الحقيقي..
خلال المائة عام الماضية عاش اليمن في حالة صراع شبه دائم؛بإجمالي 80 عاماً تقريباً من الحروب المستمرة؛ والبقية أوقات ما بعد الصراعات.. وأكثر من 47 حاكماً تم تغييرهم جميعاً بالقوة؛ فمنذ حروب الإمامة في بداية القرن العشرين والسلطنات في الجنوب، مروراً بالحرب الملكية والجمهورية في الستينيات والقضاء على 24 سلطنة في الجنوب والشرق، ثم صراعات الشمال والجنوب في السبعينيات، مروراً بأحداث 1986م في عدن، ثم حرب 1994م، يليها الحروب المتكررة في صعدة، وصولًا إلى ما يُسمى الربيع العربي، وأخيراً الحرب الكبرى التي اندلعت عام 2015م..
أي أن اليمن عمليًا عاش قرنًا كاملًا دون فترة استقرار طويلة تسمح بتراكم اقتصادي طبيعي..

لماذا اليمن فقير؟
حين يُطرح سؤال فقر اليمن غالباً ما تتحول الإجابات بسرعة إلى خطاب سياسي أو عاطفي (الحرب، الفساد، التدخُّل الخارجي، فشل الحكومات، الوحدة).. لكن إذا أزلنا الضجيج السياسي والإعلاني ونظرنا إلى المسألة بمنهج اقتصادي بحت، سنجد أن فقر اليمن ليس نتيجة حَدَثٍ واحد ولا عقْد واحد من الزمن، بل نتيجة مسار اقتصادي طويل يمتد قروناً، تَشكَّـلت فيه بنية اقتصادية هَشَّة غير قادرة على إنتاج التراكم الصناعي - التجاري - الخبرة والمعرفة التراكمية المطلوبة لنهوض بلد..
لفهم هذه المسألة يجب البدء من القاعدة العلمية للاقتصاد.. أي اقتصاد قادر على إنتاج الثروة (وليس اقتصاد ريعي).. يحتاج أربعة عناصر أساسية: رأسمال بشري منتِج، قاعدة إنتاجية مستقرة، مؤسسات دولة قادرة على التنظيم، وسلاسل إمداد تربط الإنتاج بالأسواق.. المشكلة في اليمن أن هذه العناصر الأربعة لم تجتمع في الوقت نفسه تقريباً خلال القرنين الماضيين لأسباب:

أولًا: ضعف القاعدة الإنتاجية
أكبر مؤشّر علمي على فقر أي دولة هو ضعف مساهمة القطاعات الإنتاجية في الناتج القومي.. الاقتصادات التي تخرج من الفقر تعتمد عادةً على ثلاثة قطاعات رئيسية: الزراعة الحديثة، الصناعة التحويلية، والخدمات اللوجيستية.. اليمن تاريخيًا لم ينجح في بناء أيٍّ من هذه القطاعات بشكل مستقر ولا حتى القطاعات المساعدة للقطاعات الإنتاجية مثل الكهرباء.. الزراعة في اليمن بقيت زراعة تقليدية منخفضة الإنتاجية تعتمد على الأمطار والمياه الجوفية المحدودة.. أكثر من 90٪ من المزارع اليمنية صغيرة ومُجزَّأة، وغالباً أقل من هكتارين، وهو حجم غير قادر على إنتاج فائض اقتصادي كبير.. والمساحات الشاسعة في تهامة وقاع جهران والجوف ومأرب وشبوة وحضرموت والمهرة، جميعهم لا يملكون الخِبرة والموارد البشرية والمالية للزراعة الحديثة..
الصناعة التحويلية تكاد تكون غائبة.. في معظم الدول النامية تمثّل الصناعة ما بين 20٪ إلى 30٪ من الناتج القومي، بينما في اليمن لم تتجاوز 7٪ في أفضل السنوات قبل الحرب.. رغم وجود سوق داخلية كبيرة وأسواق جوار كبيرة ولكن الصناعات التحويلية كانت غائبة في اليمن رغم المحاولات الخجولة شمالاً وجنوباً، وحتى في دولة الوحدة، ولكن جميعها فشل.. أما الخدمات اللوجيستية والموانئ فبقيت محدودة رغم الموقع الجغرافي الاستثنائي لليمن على واحد من أهم طرق التجارة العالمية.. ورغم استلام ميناء عدن من بريطانيا كأحد أهم وأنشط الموانئ في العالم، ولكن للأسف دُمّرت، حتى الموانئ الجوية لم تستطع اليمن بناء مطارات وخدمات لوجيستية رغم موقعها الممتاز الذي يسمح لها بالمنافسة الدولية بقوة في هذا المجال..

ثانيًا: انهيار التراكم الاقتصادي عبر الأجيال
في الأسبوع الماضي كتبتُ نَصاً شاملاً لشرح كيف دُمّرت الصناعة في اليمن.. وللتلخيص فإن التنمية الاقتصادية لا تحدث في جيل واحد، بل عبْر تراكم مستمر يستمر خمسين إلى مائة عام.. اليابان بدأت نهضتها الصناعية في القرن التاسع عشر، وكوريا الجنوبية احتاجت أربعة عقود كاملة لبناء اقتصادها الحديث.. أما تركيا فقد كانت في قلب الأحداث الاقتصادية الدولية.. والزائر لتركيا يجد شركات ومصانع عمرها يتجاوز 100 عام.. أما عربياً فمصر والمغرب خير مثال للتراكم الاقتصادي والخبرات البشرية والمعرفة المتوارثة، حتى الأردن التي بدأت قريباً ومن الصفر تقريباً كدولة أُنشئت بعد الحرب العالمية الأولى، إلا أنها تتقدم للأمام رغم وضعها الذي يجعل حدوث تنمية اقتصادية فيها صعباً..
أما اليمن فقد تَـعرَّض لانقطاعات متكرّرة في هذا التراكم خلال القرن العشرين والواحد والعشرين، وبعضها تُـعتبر صدمات كبرى للاقتصاد اليمني تعيده للصفر كل مرة.. ومن هذه الصدمات الكبرى :
1- الإمامة والحرب
الملكية الجمهورية في الستينيات استمرت هذه الصدمة منذ 1919م إلى 2026م لم يُحسَم هذا الصراع حتى اليوم..
2- التأميم والصراعات السياسية في الجنوب في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات حتى اليوم ما يقارب من 63 عاماً متواصلة تقريباً..
3- الحروب القبلية التي يهملها الكثير وهي صدمة لا تقل عن الصدمتين السابقتين حيث إنها مستمرة منذ الحرب العالمية الأولى إلى اليوم..
4- الأيديولوجيات العابرة للحدود، مثَّلت صدمة للاقتصاد اليمني مِثل الاشتراكية والقومية العربية ثم الصحوة الإسلامية وما يُسمى الربيع العربي، وانتهاءً بالصراع السني الشيعي.. جميع الأيديولوجيات العابرة للحدود مثَّلت صدمات متتابعة للاقتصاد اليمني وصولاً للحرب الكبرى عام 2015م حتى اليوم.. كل صدمة من هذه الصدمات كانت تعيد الاقتصاد إلى نقطة البداية تقريباً، مما يعني أن أي تراكم اقتصادي كان يُمحى قبل أن يتحول إلى بنية إنتاجية مستقرة..

ثالثاً: النزيف الديموغرافي لرأس المال البشري
من أخطر المؤشّرات الاقتصادية التي نادراً ما تُناقَش في اليمن، الهجرة المستمرة للعمالة الماهرة.. منذ منتصف القرن العشرين شهد اليمن موجات هجرة كبيرة شملت تُجاراً وحِرَفيين وعُمالًا مَهَرة ومهندسين ودكاترة ورِجال أعمال، جميع هذه الهجرات مثَّلت نزيفاً اقتصادياً منع وجود تراكم صناعي ومالي في اليمن، كما أن الهجرات كانت للأسف دائمة وليست مؤقتة، سواءً أكانت داخلية أو خارجية.. ووصل إجمالي الهجرات منذ 1919م حتى اليوم ربما إلى نصف سكان اليمن.. وعدد هذه الهجرات كالآتي :
1- عهد الإمامة.. مثلت أول هجرة في العصر الحديث، جزءٌ منها كان داخلياً إلى عدن، والقسم الأكبر كان خارجياً إلى دول الخليج وإثيوبيا، ثم هجرة اليهود اليمنيين عام 1948م أدت إلى فقدان قطاعات كاملةً من الحِرَف والصناعات الصغيرة، خاصةً في صياغة الذهب والفضة وصناعة الأدوات الدقيقة..
2- هجرة رجال الأعمال ورُوَّاد الصناعات اللوجيستية من جنوب اليمن في الستينيات مع التأميم وسيطرة الحزب الاشتراكي على الحكم..
3- ثم جاءت موجات الهجرة العُمالية إلى الخليج منذ السبعينيات، حيث أصبح ملايين اليمنيين يعملون خارج البلاد بدلاً من بناء اقتصاد داخلي..
4- الهجرة العظيمة وهي مع بداية الحرب الكبرى عام 2015م، حيث بلغ عدد اليمنيين الذين هاجروا 5 ملايين خارج اليمن، و 6 ملايين هجرة داخلية تقريباً..
اليوم يُقدَّر عدد اليمنيين في الخارج بنحو 14 مليوناً، منهم ستة ملايين ما زالوا يحملون الجواز اليمني نتيجةً للهجرة العظيمة؛ وربما 8 ملايين من أصول يمنية هاجروا خلال آخر 100 عام من اليمن، وهو رقم ضخم مقارنةً بحجم السكان.. هذه الهجرة حوَّلت الاقتصاد اليمني إلى اقتصاد تحويلات مالية بدلاً من اقتصاد إنتاج صناعي ومالي..

رابعاً: ضعف المدن الاقتصادية
التاريخ الاقتصادي يُظهِر أن المدن هي محرّكات الثروة.. المدن الكبيرة تنتج الابتكار، تجمع رأس المال وتخلق شبكات التجارة والصناعة والخدمات والمعرفة التراكمية.. أما في اليمن بقيت المدن صغيرة وضعيفة؛ حتى أكبر المدن اليمنية مثل صنعاء وعدن وتعز لم تتحول إلى مراكز صناعية كبرى.. السبب ليس فقط ضعف الاستثمار، بل طبيعة الاقتصاد التقليدي الذي بقي قائماً على الريف والقبيلة أكثر من قيامه على المدن والأسواق..

خامساً: غياب الدولة الاقتصادية
الدولة الحديثة ليست مجرد حكومة سياسية، بل مؤسسة اقتصادية تنظّم السوق وتحمي المِلكية وتبني البنية التحتية.. في معظم الدول التي خرجت من الفقر لعبت الدولة دوراً مركزياً في بناء الطرق والموانئ والتعليم الصناعي.. أما اليمن لم يمتلك لفترة طويلة دولة مستقرة قادرة على القيام بهذا الدور.. فترات الاستقرار السياسي كانت قصيرة ومتقطعة، وغالبًا ما كانت مؤسسات الدولة ضعيفة أو منقسمة أو لا تحمل رؤية.. والاسوأ هو البداية دائماً من الصفر كل مرة، وأحياناً من تحت الصفر كما هو الحال اليوم في اليمن.. وفي أفضل الأحوال إذا أخذنا العام 2004م تقريباً فإن الاقتصاد كان يتمحور حول القطاع العام والنفط والمساعدات وأخيراً المغتربين؛ ولم يكن هناك قطاع صناعي حقيقي إلا محاولات خجولة في تعز لمجموعة بيت هائل سعيد أنعم.. أما القطاع المالي فلم يكن هناك بنك واحد يستطيع استيعاب وديعة خارجية بمليار دولار شريطة إعادتها وقت الطلب، فجميع أصول البنوك اليمنية مجتمعةً لم تصل لهذا الرقم، وربما نصف وديعة بمليار دولار..

سادساً: الاقتصاد الريعي المحدود
تم شرح هذه الجزئية بالتفصيل في نص (مشكلة المرتبات ونص الإخوان والأفكار اليسارية في اليمن)، وملخصها أن جميع الأنظمة في اليمن تحمل أفكاراً يسارية اقتصادية، وتركّـز على إيرادات النفط اليمني والمساعدات الخارجية وإرسال اليمنيين للعمل في الخارج، وليس خلْق ثروات مالية داخل اليمن، وبالرغم من ذلك فإن الصناعات النفطية في اليمن كانت متأخّرة لعقود طويلة عن جيرانها رغم وجود مِصفاة في عدن ولكن في أفضل سنواتها لم تتجاوز بضعة مليارات دولار سنوياً، وهي أرقام صغيرة مقارنةً بالدول النفطية الأخرى في المنطقة.. وتَوزَّع هذا الدخل عبْر التوظيف الحكومي المُبالَغ فيه، حيث وصل العدد اليوم إلى أكثر من 3 ملايين اسم مسجل في القطاع الحكومي (كشف 2014م مليون ونصف + كشوفات حكومة صنعاء وما تُسمى الشرعية والانتقالي والساحل بعد الحرب الكبرى 2015م)..
وخلاصة هذا البند أن اليمن لم يمتلك مصدر دخْل ريعي قادر على تمويل التحوُّل الاقتصادي الكبير، ولا سَدَّ حاجة الشعب..

سابعاً: انقطاع اليمن عن شبكات التجارة العالمية
اقتصادات الدول تزدهر حين تكون جزءاً من شبكات التجارة العالمية.. سنغافورة ودبي وماليزيا أصبحت مراكز اقتصادية لأنها تحوَّلت إلى عقد لوجيستية للتجارة.. أما اليمن ورغم موقعه على باب المندب، إلا أن هذا الموقع لم يتحول إلى اقتصاد لوجيستي حقيقي.. الموانئ اليمنية لم تُطوَّر بالشكل الذي يسمح لها بأن تصبح مراكز إعادة تصدير أو تصنيع مرتبط بالتجارة.. النتيجة أن اليمن بقي على هامش الاقتصاد العالمي بدل أن يكون جزءًا نشطًا منه..

الخلاصة
فقر اليمن ليس لُـغزاً اقتصادياً غامضاً، بل نتيجة واضحة لعِدة عوامل بنيوية اجتمعت عبْر الزمن: ضعف القاعدة الإنتاجية، انقطاع التراكم الاقتصادي، هجرة رأس المال البشري، ضعف المدن، غياب الدولة الاقتصادية، محدودية الموارد الطبيعية، والانفصال عن شبكات التجارة العالمية.. حين تجتمع هذه العوامل في أي بلد فإن النتيجة تكون اقتصادًا هَشَّاً غير قادر على إنتاج الثروة بشكل مستديم..
ولهذه الأسباب لا يمكن فهم فقر اليمن بوصفه مشكلة سياسية مؤقتة، بل بوصفه نتيجة مسار اقتصادي طويل يحتاج إلى إعادة بناء عميقة تبدأ من الأساس : الإنسان المنتج، المدينة الاقتصادية والدولة القادرة على حماية التراكم عبر الأجيال..
لم يعد السؤال الحقيقي كم خسر اليمن من المال في هذه الصدمات ؟.. بل السؤال كم خسر اليمن من المستقبل ؟..
ويمكن اختصارها بأن اليمن اليوم الناتج القومي له لا يزيد عن 15 مليار دولار يجعله ثاني أفقر بلد في العالم، بعد أن كان 32 مليار دولار عام 2014م، ولو لم يتعرض للصدمات الاقتصادية لكان ناتجهُ القومي اليوم يتجاوز 480 مليار دولار سنوياً.
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
معجب بهذا الخبر
انشر في فيسبوك
انشر في تويتر
المزيد من "مقالات"

عناوين أخرى

الافتتاحية
الذكرى 63 لثورة 14 أكتوبر المجيدة عام 1963م
أ. د / عبدالعزيز صالح بن حبتور*

حوارات
جريمة الرئاسة
مقالات
الحوار المسئول فجر يمننا الجديد
يحيى نوري

عندما يسقط الوعي في فخ التوصيف
أماني محمد

صدقوني.. البندقية لن تنتصر..!!
د. عبدالوهاب الروحاني

فائض القوة والثروة لا يصنع نصراً
أحمد الزبيري

البردوني... الشاعر الذي لم يشبه عصره
زعفران علي المهنا

متى سينتهي موسم الحصاد؟
يحيى حسين العرشي

من يرحم المواطن من لهيب الأسعار؟!
عبدالسلام الدباء

صنعاء ليست تابعة لأحد
د. أحمد إبراهيم القديمي

متى نتعلّم أن نختلف ونبقى أهلًا؟
نبيل الجماعي

سقوط المعايير: عندما تصبح قاعات الفنادق في (جنيف) منصة لإطلاق النكف القبلي !!
محمد علي اللوزي

اليمن ليس ساحةً مفتوحةً للحروب إلى الأبد
د. يحيى أبو زكريا

جميع حقوق النشر محفوظة 2006-2026 لـ(الميثاق نت)