موقع المؤتمر نت



موقع مايو نيوز



موقع معهد الميثاق


قيادات مؤتمرية: كل عضو معني بالدفاع عن التنظيم والتصدّي للدعوات المشبوهة - صحفيون وإعلاميون لـ"الميثاق": الثورة اليمنية تحرر من الاسبتداد والاستعمار والوصاية - العدو يقصف 6 محافظات بـ58 غارة - القوات المسلحة تنفذ عملية نوعية في شرورة - عبدالسلام: صنعاء ترحب بكل أبناء الوطن - نائب وزير الخارجية لـ"غروندبرغ": مستعدون لتحقيق السلام العادل - 73 سفينة عبرت باب المندب خلال 48 ساعة - توزيع 6500 أسطوانة غاز مجاناً بالحديدة وتعز - 129 غارة عدوانية على 7 محافظات - "واتساب" يضيف ميزة جديدة -
الأخبار والتقارير
الميثاق نت -

الثلاثاء, 24-فبراير-2026
بقلم/ عبدالله البردوني -
كان تعليم قادة الجيوش والخلفاء موحَّداً، إذ كان يتألف من كتب النحو والبلاغة وأيام العرب..
كما كانت الثقافة تتألف من التاريخ والأشعار وأقاصيص العرب، وكان التعليم يدنو من الثقافة، لأن النحو والبلاغة من أدوات فهم الكتاب والسنة والأخبار والأشعار، وكان المادحون من الشعراء يمتدحون الخليفة والوزير والقائد بالأنماط المدحية المعتادة، لأن القائد على عسكريته كان في مستوى الخليفة تعليماً وثقافة، ذلك لأن الحرب سياسة، كما أن الخلافة إدارة السياسة..
كذلك في أوروبا كان الملوك والأباطرة يتعلمون كقادة الحروب، كما يتعلم القادة كالملوك والأباطرة أما الثقافة فكانت تتولاها البابوية الكنسية..
وهذا يدل على ترتيب الأولويات، فالتعليم أساس الثقافة، والثقافة من أساسيات السياسة، لأن الزعامة فن تعليمي وثقافي يقتدر على متابعة السياسة وأطوار المحكومين..
لهذا كان الخلفاء يبعثون أبناءهم إلى البوادي لتعلم اللغة والفروسية والصيد وخشونة المعيشة، لأن تعليم المدينة كان مقصوراً على المدوَّنات، كما كانت الثقافة مقصورة على المرويات والمدوّنات والمترجمات من فلسفات الأمم وعلومها..
فظل التوسُّع في التعليم والثقافة من مميزات الزعماء وقادة الحروب ومن سر تفوُّقهم..
وتَواصَل هذا التقليد في دوائر الحُكْم والقيادات العسكرية عصراً فعصراً، ولما تعددت التخصصات في عصرنا، تباينت المذاهب الثقافية ونزعات المثقفين، فكان يُقال في العشرينيات إن للسياسة رجالها وللعسكرية أبطالها، وذلك لتعدد ميادين التخصُّصات التعليمية، فقد كان الذي لا يتعلم لا يحقق الوصول إلى منصب في قيادة الجيوش أو اقتياد السياسة أو تسيير الإدارة..
ذلك لأن جيوش العصور القديمة كانت لا تحتاج التعليم المعقَّد لبساطة أسلحتها الوراثية من السيوف والرماح..
أما في عصرنا فقد أصبحت العسكرية عِلماً، لأن السلاح الجديد بتعقيداته استدعى التعليم والتخصُّص في هذا الفرع من العلوم..
غير أن التخصص لم يشكّـل قيداً، وإنما دلت التجارب على أن المتخصص الواسع الثقافة يضيف إلى تخصُّصه تحقيق وجوده البشري واتساع دائرة تخصصه، لهذا استزاد الزعماء والعسكريون من الثقافة وصُنَّاعها من أمثال يوسف السباعي صاحب الروايات الغزيرة عن الثورة المصرية، ومن أمثال صالح مهدي عمَّاش الشاعر المؤرّخ، ومن أمثال مصطفى طلاس صاحب المؤلفات التاريخية والأدبية والدينية والقيادية..
ذلك أن العسكرية أقرب إلى الأدب، لأن كليهما ينبعان من الحماس والبطولة.. إذ لا تقل بطولة اللسان عن بطولة الزنود، كما عبر الحربي المشهور محمود سامي البارودي.. وقبله أبو فراس والمتنبي، وقد كان شباب الكلية الحربية بصنعاء في الأربعينيات يتحمسون بالشعر ويؤدّونه أناشيد تتلاءم مع حركاتهم وتهيج نفوسهم..
ومن النشيد الذي كان يؤدّيه طلاب الكلية الحربية قصيدة المتنبي :
لا افتخار إلا لمن لا يضام
مدرك أو محارب لا ينام
وكانت الدفعة الأخيرة في الأربعينيات تجمع بين الثقافة النظرية وبين التعلّم العسكري، إلّا أنهم واجهوا تغيرات كادت أن تعصف بهم، إلا أنهم عصفوا بها بالصبر والجَلَد..
تخرَّجت هذه الدفعة في سنة انقلاب 1948م فانساقت إلى سجن (حوش دهّاق) مدة من الوقت، ثم انتقل بعضهم إلى سجن القلعة مدة عامين، وفي عام 1950م سخَّرهم الحسن لشق الطرق الصعبة في رأس الغولة.. في ريدة.. في خولان.. وفي كثير من المناطق..
وكان أنبه تلك الدفعة علي محمد النعامي، محمد عبدالله العلفي، وبطل هذه الحلقة الشهيد سعد على الأشول..


نشأ سعد علي الأشول في الروضة في بيت العمل النقي والفقر الشريف، إذ كان والده حداداً لا يكسب في يومه إلا قوت أهله، لأن مهنة الحدادة في ذلك الحين كانت شحيحة، لندرة النقود في أيدي الناس، فلا يحتاج الفلاحون إلى الحداد إلّا لإصلاح المحاريث الضرورية للحرث والمناجل الضرورية للحصاد وقلَّ من يصقل خنجراً أو يحد مدية..
وبهذا كان علي الأشول والد الشهيد سعد الأشول لا يكتسب غير الضرورات اليومية لبيته، وإذا تعطل عن الشغل تعطلت الأفواه التي يعولها عن الأكل..
وعندما مات علي الأشول كان لموته وقْع الصاعقة عند أهل الروضة، لأنه ترك صبياناً لم يبلغوا سن التلمذة ولم يترك لهم قوت يوم واحد، بل لم يُخلّف ثمن تجهيزه إلى القبر..
في هذا البيت تربَّى سعد علي الأشول وأخوه صالح الأشول، فكانا من الثوار اللامعين بطولة وثقافة ووطنية، لأن الفقر الذي ربَّى الأنبياء والقادة ربَّاهم من أيام غضارة العود ولين الصِّبا..
وكان سعد علي الأشول في الخمسينيات يتنقل من طريق إلى طريق، يكدح في شقها مع زملائه خريجي الحربية مقابل ثمن ريال ماري تيريزا لكل واحد..
ومن العجيب أن أولئك الأبطال الذين تخرَّجوا من
الكلية الحربية عام ١٩٤٨م تحولوا إلى مثل هذا العمل الخلَّاق، لأن شق الطرق أعطى خبرة جديدة وجذَّر في أولئك العسكريين الخشونة وحب العمل، إذ تابعوا شق الطرق مدة ثلاث سنوات، ثم تغير مجرى حياتهم كما سوف نرى.
* * *
في عام ١٩٥٣م وصل سعد الأشول ومحمد عبدالله العلفي إلى تعز باحثين عن وجودهما العسكري، الذي تعلَّما له وتخصصا فيه، فبعث الإمام أحمد سعد الأشول ومحمد عبدالله العلفي أميرين على معسكر حريب، كما بعث محمد الحمزي إلى قعطبة، وكان الأشول والعلفي لا يُصدران كل الأوامر إلى أولئك العسكر، لأن مدير المنطقة (العامل) هو الذي يمثل المقام الشريف عند المنطقة وعند العسكر.
غير أنه كان يجد في الضابطين العلفي والأشول مشجباً إذا شعب عليه العسكر.
وفي عام ١٩٥٤م تأخر مرتب المعسكر مدة شهرين فشغب على العامل فطلب الإمام المعسكر كله من حريب. وقيل إن الأشول والعلفي دبرا مع العسكر اغتيال الإمام باعتباره السبب في تأخير المرتبات، إذ كان لا يُصرف شيء إلّا عن أمره وكان العسكر يعرفون هذا.
غير أن الإمام شم ذلك التدبير أو احتاط كعادته فلم يقبل طلب أولئك العسكر بمقابلته وإنما تركهم في العرضي حتى شتتهم في المناطق، واختار لهم المناطق الأنفع دخلاً مثل عتمة ووصاب وريمة وإب. وظل سعد الأشول والعلفي في انتظار القرار الإمامي بنقلهما فانتقل محمد عبد الله العلفي ضابطاً على مستشفى الحديدة، وظل فيه حتى محاولة اغتيال الإمام مع اللقية عام ١٩٦١م، أما سعد الأشول فظل بتعز حتى التحق بمدرسة الأسلحة عند افتتاحها عام ١٩٥٨م، وظل فيها إلى ثورة السادس والعشرين من سبتمبر وكان سعد الأشول أحد وجوه الثورة المشرقة.
* * *
تميز سعد الأشول ورفاقه بالاستزادة من الثقافة وقراءة الصحف ومتابعة الأخبار العالمية، وكان تعليمهم في الأربعينيات يؤهلهم للتوسع في التثقف، بل إن أولئك العسكريين اتصلوا بحلقات الدروس في الجوامع وحصلوا على تعليم فقهي ولغوي، من أمثال عبد الله اللقية، أما سعد الأشول والعلفي فقد كانا أشد ميلاً إلى الكتب الثقافية.
وبعد ثورة ٢٦ سبتمبر تبدت الحاجة إلى الثقافة عند العسكريين لأنهم بعد الثورة أصبحوا مرمى الأنظار، إذ أحاطت بهم أسئلة الصحفيين عن مبررات الثورة وعن اختيار ذلك الوقت لقيامها، وعن النوايا السياسية التي ينتوونها.
وكان سعد الأشول لبقاً في إجابة الأسئلة على دراية بمغزى كل سؤال.
سألته صحفية لبنانية تحرر صحيفة اسمها المدفع.. لماذا قمت بالثورة في هذا الأوان الذي شكّت فيه الشعوب بجدوى الثورة؟
فرد سعد الأشول: "لم أقم بها وحدي وإنما قام بها الشعب، ولم تخلص الشعوب من الفساد السياسي والاستعمار إلا الثورات المسلحة، ولم تشك الشعوب في الثورات وإنما شكك فيها أعداء الشعوب".
فقد كان سعد الأشول بعيد النظر بتمييزه الشعوب من أعداء الشعوب، لأن أعداء الشعوب محسوبون عليها، لأنهم من أبنائها وأعمالهم ضدها.
وكانت هذه الفكرة من سياسة أول الستينيات. وكان الكتاب الثوار يقاومون الدعاية الاستعمارية، وعملاء الاستعمار في داخل الأوطان، وكان سعد الأشول على صلة بالكتابات الثورية التي تعبر بصدق عن الشعوب.
اتقد سعد الأشول بالحركة الدائبة، فكان.. في مكتب العمليات في القيادة.. في إعداد المدد إلى المواقع.. في أكثر المواقع حرجاً، ثم خرج إلى القتال فخاض عدة معارك في حروب الثورة.
وكان النصر حليفه في كل معترك، لأنه كان يعرف البلاد قبل أن يعرف روائح الثورة، وكان على دراية بأكثر المناطق التي عمل في طرقها، فقد كان ذلك العمل الذي كابده في أول الخمسينيات بمثابة سياحة في الشعب واستبطان لنفسيته. بالإضافة إلى هذا فإنه كان أمير بلكات في أكثر من منطقة فزادت معارفه بالشعب في وقت الاحتياج إلى المعرفة، لأن قيمة كل عظيم عند الاحتياج إليه.
وهذا ما فطن إليه سعد الأشول أيام كانت الثورة تحارب الحروب، وأيام كانت تمثل إشراق الوجه الدفاعي أمام الوجه العدواني.
وكان سعد الأشول من الجمهوريين الذين يرون استمرار التجربة الحربية، ولا يقبل التصالح نفسياً، باعتباره يجهض التجربة الحربية ولا يوصل إلى سلم متوج بالنصر.. وكانت أفكار سعد الأشول الثورية، معروفة كمعرفته بأساليب الثورات.

* * *
دلت أفكار سعد الأشول على بعد نظره، فقد كان رأيه أن التصالح مع الفلول البائدة يمحو جهد الثورة التي فرش الشعب طريقها بآلاف الجماجم والجباه.. ودلت على بعد نظره هجمة الفلول البائدة على صنعاء في ١٩٦٧م لأن الفلول البائدة كانت تدعي أنها لا تحارب الجمهورية والجمهوريين وإنما تحارب الوجود العسكري المصري.. فدلت تلك الفلول بهجمتها على صنعاء عام ١٩٦٧م على أنها تستهدف القضاء على النظام الثوري، لأن تلك الهجمة حدثت بعد انسحاب الجيش المصري كلياً.
لهذا استمات الثوار والشباب وتعبأت كل الجماهير للدفاع عن صنعاء، حتى حاصرت قوات صنعاء الحصار وغذت جذور الثورة بأغلى الدماء.
وكان سعد الأشول يعي مسئولية حماية الثورة وتغذيتها بالاستشهاد، فقاتل في الخطوط الأمامية في حرب السبعين يوماً الشهيرة أشد قتال.. إلى جانب الأفكار القيادية التي كان يشترك فيها مع زملائه.
ولكنه لم يستلذ مكتباً قيادياً، وإنما استطاب حرارة الميدان ونار الالتحام، فقاتل حتى دفع حياته الغالية للوطن الأغلى في معركة همدان في يناير ١٩٦٨م.

ـــــــ

من كتاب ( ثوار في رحاب الله) للبردوني صدر حديثاً عن الهيئة العامة للكتاب.
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
معجب بهذا الخبر
انشر في فيسبوك
انشر في تويتر
المزيد من "الأخبار والتقارير"

عناوين أخرى

الافتتاحية
التأسيس والمسؤولية التاريخية
بقلم / صادق بن امين أبو راس- رئيس المؤتمر الشعبي العام

حوارات
جريمة الرئاسة
مقالات
9 سبتمبر.. يومٌ أممي لحماية التعليم أم يومٌ آخر لفضح ازدواجية الأمم المتحدة؟
توفيق عثمان الشرعبي

معادلة اليمن.. والخيار للنظام السعودي
أحمد الزبيري

الإلياذة اليمنية
محمد شبيطه

اليمن أكبر من الجميع
عبدالسلام الدباء *

هل يكون "المؤتمر العام الثامن" للمؤتمر بوابة التجديد المؤسسي؟
أماني محمد

اليمن بين منطق الدولة ومنطق الغلبة
فيصل بن أمين أبو راس

أين يدي؟!
د. غازي القصيبي

الميثاق نورٌ لا ينطفئ
عبدالقادر عبدالله الصوفي *

هيئة الأوقاف تخرّب مسجد العلمي
مطهر تقي

الاعتماد يا قوم مسؤولية
د. ناصر الدحياني

رجل غير كل الرجال
عبدالرحمن بجاش

جميع حقوق النشر محفوظة 2006-2026 لـ(الميثاق نت)