عبدالسلام الدباء* - هل مازال بالامكان لوطنٍ أنهكته الحروب، و أثقلته الجراح، وتكالب عليه الخصوم، أن يظل واقفًا؟ سؤالٌ يفرض نفسه كلما تصدّر اسم اليمن عناوين الأخبار بوصفه بلد الأزمات.. لكن التاريخ وحده يجيب، وبصوتٍ واثق: نعم، يمكن… بل إن اليمن يفعل ذلك منذ آلاف السنين.
صحيح بان اليمن قد يمرض، نعم، لكنه لا يموت.. وهذه ليست مجرد عبارة عاطفية تُقال لتسكين الألم، بل حقيقة تاريخية تؤكدها الشواهد، من سبأ وحِمْيَر، إلى فجر الإسلام، وصولاً إلى الحاضر المثقل بالتحديات.. فاليمن ليس قصة تُروى في لحظة ضعف، بل مسار طويل من الصبر والمقاومة، كتبه شعب يعرف كيف ينهض كلما ظنّ الآخرون أنه قد انكسر.
من يقرأ المشهد اليمني اليوم قد يراه غارقاً في الخلافات، ممزقاً بالانقسامات، متعباً من الصراعات.. لكن القراءة السطحية لا تكشف الحقيقة كاملة.. فاختلاف اليمنيين، على حدّته أحياناً، لم يكن يوما اختلافا على الأرض أو الهوية، بل كان — وسيظل — اختلافا على الطرق والوسائل.. أما الثوابت الكبرى، فماتزال عصيّة على المساومة: يمن واحد، وهوية جامعة، وأرض لا تُجزّأ.
على مرّ العقود، تعرّض اليمن لمحاولات تفتيت ناعمة وخشنة، لمشاريع صغيرة ارتدت أثوابا متعددة، ولخطابات انفصالية حاولت أن تتسلل من بوابة المظلومية أو الإحباط.. ومع كل موجة، كان الرهان واحدا، وهو: أن يتعب اليمنيون، أن ييأسوا، أن يتخلّوا عن فكرة الوطن الجامع.. لكن الرهان خسر في كل مرة.. فاليمن، بطبيعته، لا يقبل أن يكون نصف وطن، ولا يتعايش مع فكرة البتر.
إن أخطر ما تواجهه الأوطان ليس السلاح وحده، بل خطاب الكراهية الذي يشق الصفوف، ويزرع الشك بين أبناء البيت الواحد.. ومع ذلك، أثبت اليمنيون — رغم كل شيء — أن الوعي الجمعي أعمق من الضجيج، وأن محاولات تمزيق النسيج الوطني لا تصمد طويلا أمام حقيقة الانتماء.. فالوطن، في وجدان اليمني، ليس شعارا سياسيا عابرا، بل ذاكرة ودم واسم محفور في القلب.
ولأن اليمن ليس راية تُنكّس، ولا اسما يُمحى، ولا حلما ينتهي، فإن كل دعوة للفرقة مصيرها الذبول، وكل مشروع صغير محكوم عليه بالفشل.. سيبقى اليمن واحدا موحدا، لا بقوة السلاح، بل بقوة القناعة، وبإرادة شعب أدرك أن وحدته هي خط الدفاع الأخير عن مستقبله.
أما الطريق إلى التعافي، فلا يبدأ من الخارج، بل من الداخل: بإحياء لغة العقل بدل لغة التخوين، وبناء دولة المواطنة بدل دولة الغلبة، وترميم الثقة بدل تعميق الجراح.. حلولٌ ليست سهلة، لكنها ممكنة، حين يصبح الوطن أولوية لا ورقة تفاوض.
وسوف يستعيد اليمن، بعون الله، اسمه القديم المتجدد: اليمن السعيد.. ليس بوصفه ذكرى تاريخية، بل كواقع يُصنع بإصرار، فالغد لا يُولد صدفة، بل يُمهَّد له بالصبر والعمل.
ويبقى السؤال المفتوح، الذي يختصر كل الحكاية:
إذا كان اليمن قد نجا من كل ما مضى… أفلا يستحق أن نؤمن بأنه سينهض مما هو آت؟
وإن غداً لناظره قريب .
___
* مستشار وزارة الشباب والرياضة
|