موقع المؤتمر نت



موقع مايو نيوز



موقع معهد الميثاق


صنعاء توجه تحذيرات جديدة - الأمين العام المساعد يواسي آل الحريبي - معطى: 21 عملاً مقاوماً بالضفة والقدس خلال يومين - رئيس المؤتمر يواسي آل الشاطر - مجيديع يعزي الشيخ عبدربه راجح - بن حبتور: اليمن سيبقى عصياً على أعدائه - كتاب وصحفيون : إدارة الأزمات أحد المعايير الأساسية التي تقاس بها كفاءة الحكومات - المشاط يؤكد المضي في إنهاء العدوان - بيانٌ بـ3 عمليات جديدة للقوات المسلحة.. ماذا استهدفت؟ - العدو يستهدف شبكة اتصالات السبرة في إب -
مقالات
الميثاق نت -

الجمعة, 30-يناير-2026
د. ربيع شاكر المهدي* -
لم يعد الوجود السياسي للدول يُقاس بقدرتها على حماية حدودها الترابية فحسب فنحن ندخل عصراً تراجعت فيه الجغرافيا الصلبة لصالح جغرافيا لوجيستية خفيّة تُدار من خلف الشاشات والعقود..
في اليمن لم يعد الصراع نزاعاً تقليدياً على السلطة بل صراعاً أعمق على ماهية الدولة ذاتها هل الدولة علمٌ ودستور أم حقُّ وصول إلى الممرات والبيانات وسلاسل الإمداد؟..
ما نشهده اليوم هو تفكيك بطيئ للوطن لا لتحويله إلى دولة ضعيفة فقط بل إلى مساحة خدمات منصة عبور تُنتزع من سياقها الحضاري لتُدرج في سياق الوظيفة..
لم يعد المحتل بحاجة إلى ثكنات عسكرية في المدن بل إلى خوادم في المدن وإلى عقود طويلة الأمد تُفرغ السيادة من مضمونها..
حين يتحول اليمن إلى منصة فإنه يفقد إرادته لصالح المستخدمين من القوى الإقليمية والدولية..
السيادة الحديثة لا تُسلب بالدبابات بل عبْر بوليصات التأمين البحري وشروط القروض الدولية وأنظمة الامتثال العابرة للحدود هنا يتحول المسؤول إلى موظف تنفيذ وتُتخذ القرارات المصيرية خلف البحار فالعلم قد يرفرف لكن المفاتيح الحقيقية في جيوب الموقّعين على العقود..
في هذا الواقع يعيش اليمنيون في زمن دائري هو (زمن الركود) والتكرار حيث تدور الدولة في حلقة مفرغة من الأزمات والحروب والهُدَن التي تعيد إنتاج نفسها مما يجعل الشعب غارقاً في صراعات الماضي وترميم الحاضر دون أي تقدم للأمام، جوع يومي قلق لا يتجاوز الأربع والعشرين ساعة، وصراعات تتكرر بأسماء مختلفة في المقابل تمتلك الشركات العابرة للقارات والسماسرة الاستراتيجيون الزمن الخطي وهو (زمن التقدم والتخطيط) حيث يتحرك العالم والشركات الكبرى في خط مستقيم نحو أهداف مستقبلية يخططون لعقود تمتد لعشرات السنين بينما لا يضمن المواطن عشاء ليلته..
هذا الفارق الزمني هو ما يُبقي اليمنيين خارج التاريخ مشغولين بترميم الماضي، فيما تُرسم خرائط المستقبل من دونهم ويترافق ذلك مع تخدير تاريخي، حروب وهُدَن طويلة ولا حرب ولا سلم تُستخدم لإطفاء الذاكرة الوطنية وإنتاج هوية هجينة.. أجيال جديدة تنشأ وهي ترى نقاط التفتيش بين المدن حدوداً طبيعية والعملات المتعددة واقعاً عادياً وجوازات السفر أدوات عبور داخل مناطق نفوذ لا داخل دولة .. هكذا ينتهي اليمن كفكرة في العقول قبل أن ينتهي كخريطة في الكتب..
مأساة اليمن ليست في نقص الموارد بل في فائض الأهمية، فالجغرافيا التي كانت درعاً تحولت إلى طُعم مضيق باب المندب والموانئ وخطوط الطاقة والتجارة كلها جعلت اليمن هدفاً مثالياً للاستعمار التعاقدي الحديث حيث تُستبدل الدساتير بالعقود والهوية بالمنفعة، وهنا لا يحتاج الأجنبي إلى رضا الشعب بل إلى توقيع النخب التي تُدار خارج منطق المصلحة الوطنية..
اليمن اليوم دولة بلا حدود صلبة، بل مناطق نفوذ مرنة لا ترى جندياً أجنبياً في كل زاوية لكنك تجد نظام تشغيل يدير الميناء وشركة تأمين تدير البحر وقرضاً دولياً يدير البنك، وتصبح السيادة هنا وَهْماً بصرياً، حضوراً رمزياً، وغياباً فعلياً..
نحن أمام صراع فريد.. الأجساد هم اليمنيون الواقفون الباحثون عن وطن حقيقي والأشباح هم الشركات الكبرى والخوارزميات وسماسرة العقود الاستراتيجية الذين لا يرون في اليمن سوى إحداثيات على خريطة GPS، هؤلاء يمتلكون مستقبل اليمن ويتركون أبناءه تتصارع على الماضي..
إذا كان استعمار القرن العشرين قائماً على السيطرة على المساحة فإن استعمار اليوم قائم على التحكم في تدفُّق البيانات والطاقة والحاويات ولا يحتاج إلى حاكم عسكري يكفيه امتلاك برمجية الإدارة وهنا يُختزل اليمن من دولة ليصبح منصة والمنصة لا تملك إرادة بل تُدار بمستخدمين وبمن يدفع أكثر..
لطالما قِيل إن الجغرافيا هي القدر لكن في اليمن تحولت الجغرافيا إلى لعنة الجمال فالاحتلال الجديد لا يرفع راية بل يرفع كفاءة، يُحِلّ العقود محل الدستور والمنفعة محل الهوية ويُبقي البلاد حبيسة الزمن الدائري كي يمر قطار النظام العالمي الجديد فوق أراضيها دون أن يتوقف عند محطة الدولة القوية..
إن أخطر ما يواجه اليمن اليوم ليس ضياع الأرض بل تزييف الوعي بالواقع، والحل لا يكمن في انتظار تسوية خارجية بل في استعادة فعل السيادة من غرف العقود المظلمة إلى فضاء المصلحة الوطنية الشاملة فإما أن يتحول فائض الأهمية إلى أداة ضغط بقرار وطني موحد أو يظل اليمن هامشاً في كتاب يكتبه الآخرون..
نستيقظ اليوم على يمنٍ مؤجَّر قد يملك فيه المواطن فيه حق السكن ولا يملك حق القرار..
فالسيادة ليست علماً يرفرف فقط بل قلماً يرفض التوقيع على بيع المستقبل فإما أن يكون اليمن هو الخوارزمية التي تدير جغرافيتها أو يظل مجرد بيانات في حواسيب الآخرين..
وفي الأخير.. أقول إن الرهان على غياب اليمن في غرف العقود المظلمة هو رهانٌ على سراب فالحكمة اليمنية التي صهرت الصخر وحولت الجبال إلى مدرجاتٍ للحياة تملك في جوهرها عبقرية الانبعاث التي يجهلها منطق الخوارزميات..
إن هذه الحكمة لا تقبع في بطون الكتب بل في الأنفة السيادية التي ترفض تحويل الوطن إلى مجرد رصيفٍ للعابرين..
قلب الطاولة يبدأ حين يدرك اليمني أن جراحه ليست علامة انكسار بل هي ثغرات الضوء التي سيعبر منها فجر المستقبل فاستعادة لحظة أروى وسيف ليست ارتداداً للماضي بل هي استدعاء لروح الدولة الصانعة التي لا تقبل أن تكون دولة وظيفية..
الحكمة اليوم هي في الالتحام العضوي الذي يحوّل تشرذم الإخوة إلى سد مأرب جديد، سدٍّ لا يحجز الماء هذه المرة بل يحجز أطماع المحتلين ويفرض على العالم يمناً لا يُدار بالريموت كنترول بل يُحاور كشريكٍ ندّي فالقلم اليماني الذي وقّع أول أبجديات التاريخ هو ذاته القلم الذي سيصنع المستقبل ليعلن أن الأرض التي أنبتت الحضارة لا يمكن أن تكون مجرد بيانات في حاسوب الغرباء.

* سياسي يمني
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
معجب بهذا الخبر
انشر في فيسبوك
انشر في تويتر
المزيد من "مقالات"

عناوين أخرى

الافتتاحية
الذكرى 63 لثورة 14 أكتوبر المجيدة عام 1963م
أ. د / عبدالعزيز صالح بن حبتور*

حوارات
جريمة الرئاسة
مقالات
الحوار المسئول فجر يمننا الجديد
يحيى نوري

عندما يسقط الوعي في فخ التوصيف
أماني محمد

صدقوني.. البندقية لن تنتصر..!!
د. عبدالوهاب الروحاني

فائض القوة والثروة لا يصنع نصراً
أحمد الزبيري

البردوني... الشاعر الذي لم يشبه عصره
زعفران علي المهنا

متى سينتهي موسم الحصاد؟
يحيى حسين العرشي

من يرحم المواطن من لهيب الأسعار؟!
عبدالسلام الدباء

صنعاء ليست تابعة لأحد
د. أحمد إبراهيم القديمي

متى نتعلّم أن نختلف ونبقى أهلًا؟
نبيل الجماعي

سقوط المعايير: عندما تصبح قاعات الفنادق في (جنيف) منصة لإطلاق النكف القبلي !!
محمد علي اللوزي

اليمن ليس ساحةً مفتوحةً للحروب إلى الأبد
د. يحيى أبو زكريا

جميع حقوق النشر محفوظة 2006-2026 لـ(الميثاق نت)