عبده فايد - جائزة نوبل للسلام لا يُمكن أبدًا منحها بالوكالة.. يعني اللجنة منحت الجائزة لفلان، إذن هي مِلْك حصري له، ولا يجوز له أبدًا إهداؤها لأحد.. لكن نحن حرفيًا أمام إحدى أكثر الحقب المختلة في تاريخ الإنسانية.. حقبة يسيل فيها لعاب رئيس أكبر قوة عُظمى على جائزة، لدرجة أنه يقبلها بالمخالفة لكل القوانين من شخصية مشبوهة.. وحقيقي الواحد هنا غير مهتم بترامب، هذا شخص ساهم في إزهاق أرواح سبعين ألفاً من أهالينا وهدم مدينة كاملة ومحاها من على وجه الأرض، ولا شيء آخر يُمكن أن يدينه.. لكن فعلًا ما يدهشني دائمًا نفسية الخائن.. ماتشادو سلّمت بلدها بالكامل للمحتل الأمريكي، سيدة لم يكن لديها مانع في التحريض ضد وطنها، وخلق الأكاذيب عنه، والاستنجاد بالخارج من أجل سرقة موارده النفطية، كل ذلك مقابل أن يتم الاعتراف بها كزعيمة ووريثة للعرش.. ليس مهما بالنسبة لها أن ثمة بلداً يُباع ووطناً يُباد ورئيساً يُختطَف وثروةً من 303 مليارات برميل بترول تُصادَر.. أبدًا.. المهم الكرسي..
ويتصادف مع ذلك المشهد المنحط أنني كنت أشاهد لقاء مدته خمس ساعات يظهر فيه البطل لأول مرة.. البطل الأمريكي طبعًا بعد أن ظل مختفيًا عن الأنظار لمدة 23 سنة يروي شهادته عن تصفية الأميركيين لعدي وقصي صدام حسين.. في لقطة الاشتباكات بين القوات الأميركية وأبناء الرئيس العراقي الراحل في مخبأهم، كان هناك فيديو لشخص يرافق الأميركيين ويُغطّي وجهه بمنشفة خضراء، لكن هويته انكشفت من ابنه الذي كان يرافقه بلا غطاء، واسمه شعلان.. عدي وقصي بعد أن ضاقت عليهما الأرض بما رحبت، لجِئأ لمنزل أحد تُجار الموصل، واستضافهما لمدة 24 يوماً قبل أن يذهب للجنرال ديفيد بترايوس قائد القوات الأميركية ويخبره بوجود أبناء صدام في منزله.. مكثت أدقّق في وجه الخائن ‘‘نواف الزيدان‘‘ الذي ظهر للإعلام يحكي تفاصيل خيانته.. وأنا كل ما في بالي القول المصري الشعبي ‘‘من آمنك لم تخنه، ولو كنت خائن‘‘.. وحقيقي الواحد كان يبغض عدي وقصي وخصوصًا الأول على نحو كاسح، ويرى مصيرهما في محاكمة عادلة، لكن يستحيل أن يتقبل المرء فكرة تسليمهم للأميركيين، بعد أن آمنوك على أرواحهم.. لكن هذا التاجر العراقي باع كل شيء، وجلس طول اللقاء ينسج الكذبة وراء الكذبة حتى يقنع المشاهد أنه فعل خيرًا بتسليم أولاد بلده.. وقبض الثمن 30 مليون دولار على رأس الرجلين بعد إفنائهما، وإقامة لأولاده في الإمارات، جنة كل وضيع..
بالأمس خيانة في بغداد واليوم خيانة في كاراكاس.. والبطل واحد.. شخص منحط يقبل تلال الأموال مقابل تسليم رقبة بلده، ولن يصبح حال فنزويلا أفضل من العراق بقدوم الأميركيين.. ويعني مما يثير الشعور بالقرف أن ماتشادو سلَّمت ترامب الجائزة في نفس اليوم الذي أعلنت فيه الخزانة الأميركية بيع أول مسروقاتها من النفط الفنزويلي بمليار دولار.. ويقف هذا المخبول سعيدًا من امرأة دربتها المخابرات الأميركية وأنفقت عليها بسخاء حتى تحقّق لهم مرادهم في فنزويلا.. وهذه هي جائزة نوبل التي يرى فيها العالم خيرًا، تُمنح لخائنة تُهديها لمخبول، وبين الإثنين وطن كامل بمقدراته يُسرق على الهواء.. هذه الصورة تجسيد لحقبة بالغة الوضاعة من عالم الغطرسة الأميركية.. صورة الكاوبوي الذي نظّم العالم على مقاس قوته..قوة عسكرية ماحقة، وعملاء مغروسين، ومؤسسات دولية راعية للخيانة..
وأقسم بربي أنه عندما يرى المرء هؤلاء، لا يتذكر سوى قادة عظام، ورجال أشداء، ظلوا كابوسًا للأميركيين والعبريين طوال عامين، محاصرين من البر والبحر والجو، من عدو تتدفق إليه ألف شحنة جوية من السلاح، فوق ما لديه من مئات ألوف الأطنان من ذخيرة تكفي لمحو الشرق الأوسط بأكمله.. ولم يرتقوا إلا وسلاحهم بين أيديهم، بعد 18 شهرًا من التنقل من مدينة لمدينة عبر شبكة بنوها تحت الأرض بمداد أرواحهم.. بينما سقط زعماء وأباطرة في غمار ثوان.. ثم كانوا يلومون البطل المقدام ذو العصا الخشبية في وجه المسيّرة أنه أسس جهازًا لمكافحة العملاء.. ما أوقحكم.. يكسب الأميركي بالخيانة قبل قوته، يكسب بأيادي مرتعشة، ونفوس وضيعة، وجباه تسجد للقوة.. قد تُمكنه الترسانة الهائلة من القصف والمحو، من التقدم والسيطرة، لكنه لا يبقى وفي الوطن أعزاء يعلمون أن للباطل جولة، وللحق ألف ألف جولة.. ولذا سقط الأميركيون في كابول وقبلها هانوي، ولعكس ذلك نجحوا في كاركاس وبغداد..
هذا زمن تعيس، ليس لوجود الخَوَنة، بل لقلة الشرفاء.
|