عبدالسلام الدباء* - هل يكفي أن تبني أمةٌ أعلى سور في التاريخ لتنام قريرة العين؟.. الصينيون القدماء ظنّوا ذلك، فشيَّدوا سور الصين العظيم، ذلك الإنجاز الهندسي الذي ما زال يدهش العالم حتى اليوم.. سور شاهق، طويل، متين، صُمّم ليكون خط الدفاع الأخير أمام أي غزو محتمَل..
غير أن المفارَقة المدهشة أن الصين، خلال المائة سنة الأولى فقط بعد اكتمال بنائه، تعرَّضت لثلاث غزوات ناجحة.. لم تأتِ الجيوش من فوق السور، ولم تحفر تحته، بل دخلت من بواباته، برشوةٍ بسيطة قُدّمت لحارسٍ غاب عنه الضمير..
هذه القصة ليست حكاية من الماضي فحسب، بل درساً قاسياً في الحاضر، يقول بوضوح: إن الأوطان لا تسقط من الخارج فقط، بل تُخترق من الداخل حين ينهار الإنسان قبل أن ينهار الجدار..
لقد انشغل الصينيون ببناء السور، ونسوا بناء الحارس.. وهنا تكمن العِبرة الكبرى: وهي أن بناء الإنسان يسبق بناء الحجر، وحماية الوعي أهم من تشييد الأسوار.. وهذا الدرس، بكل ثقله وصدقه، هو ما يحتاجه اليمن اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى..
فالوحدة اليمنية، التي شكَّـلت حُلم أجيال ونقطة ضوء في تاريخ هذا الوطن، لا يمكن حمايتها بالشعارات وحدها، ولا بالحدود ولا بالقوة فقط.. إنها تحتاج قبل كل شيء إلى إنسانٍ واعٍ، نزيهٍ، مدركٍ معنى الوحدة وقيمتها، ومؤمنٍ بأن الدفاع عنها مسؤولية شخصية قبل أن تكون واجباً وطنياً عاماً..
تحصين الوحدة اليمنية يجب أن يبدأ من الداخل: من المدرسة، من البيت، من الخطاب الإعلامي، من ثقافة الحوار، ومن ترسيخ الوعي الفردي والجمعي.. نحن بحاجة إلى تنشئة جيل يعرف أن الوحدة ليست حدثاً سياسياً عابراً، بل مشروع حياة، وضمانة مستقبل، وسياج كرامة لوطنٍ أنهكته الانقسامات..
والخطأ الفادح أن يُنظَر إلى الوحدة على أنها مسؤولية منطقة دون أخرى، أو فئة دون سواها.. فالوحدة ليست مسؤولية الشمال وحده، ولا الجنوب وحده، ولا حضرموت أو تهامة أو صعدة أو المهرة على حِدَة.. الوحدة اليمنية مسؤولية جماعية، يتقاسمها كل اليمنيين، من المهرة إلى صعدة، ومن كمران إلى سقطرى، رجالاً ونساءً، شباباً وكباراً.. كل فرد هو حارس على بوابة هذا الوطن، وكل ضعف في وعيه هو ثغرة محتمَلة..
ولم يكن النشيد الوطني اليمني مبالَـغاً فيه حين وصف الوحدة بأنها: «عهدٌ عالقٌ في كل ذمّة» بل إنها وبلغة أوضح وأدق تُعد فرضَ عينٍ على كل يمني ويمنية، ولا تبرأ الذمة منهم جميعاً إلا بحمايتها والدفاع عنها قولًا وفعلاً.. فالوحدة ليست مِلْـك جيل واحد، ولا ورقة في يد سلطة، بل هي أمانة في أعناق الجميع..
في ختام الأمر، قد لا نحتاج اليوم إلى سورٍ جديد لحماية الوحدة، بقدر ما نحتاج إلى إنسانٍ جديد: واعٍ، صلب القِيَم، لا تُشترى بوابته برشوة، ولا يُساوم على وطنه..
والسؤال الذي يفرض نفسه: إذا كُـنا جميعاً حُرّاساً على بوابة اليمن، فهل وعينا أقوى من الرشوة؟، أم أننا ما زلنا نرفع الأسوار وننسى دور الحارس؟
* مستشار وزارة الشباب والرياضة
|