موقع المؤتمر نت



موقع مايو نيوز



موقع معهد الميثاق


صنعاء توجه تحذيرات جديدة - الأمين العام المساعد يواسي آل الحريبي - معطى: 21 عملاً مقاوماً بالضفة والقدس خلال يومين - رئيس المؤتمر يواسي آل الشاطر - مجيديع يعزي الشيخ عبدربه راجح - بن حبتور: اليمن سيبقى عصياً على أعدائه - كتاب وصحفيون : إدارة الأزمات أحد المعايير الأساسية التي تقاس بها كفاءة الحكومات - المشاط يؤكد المضي في إنهاء العدوان - بيانٌ بـ3 عمليات جديدة للقوات المسلحة.. ماذا استهدفت؟ - العدو يستهدف شبكة اتصالات السبرة في إب -
مقالات
الميثاق نت -

الإثنين, 19-يناير-2026
د. ربيع شاكر المهدي* -
في تاريخ الأمم ثمة لحظات فارقة تتجاوز حدود الزمان والمكان لترسم مسارات الوجود الإنساني؛ فقد جاء الإسراء حين انغلق أُفُق التفاوض في مكة في (عام الحزن) ففتح الله مساراً سماوياً غير متوقَّع..
سياسياً جاءت هذه الرحلة في قمة الحصار الاقتصادي والسياسي (عام الحزن)، وهنا تبرز حِكمة إدارة الأزمات؛ ففي لحظات الانسداد الدبلوماسي والضغوط القصوى يفتح الله آفاقاً استراتيجية غير متوقَّعة.. إنها رسالة لكل الشعوب والقيادات..
الدين السماوي ينبع من مشكاة واحدة، مما يضع حداً للصراعات الصفرية القائمة على احتكار الحقيقة، والشرائع المتعدّدة هي القوانين والتفاصيل التنظيمية التي تناسب كل أمة في وقتها؛ وعندما يدرك الجميع أن الأصل واحد يصبح الآخر شريكاً في الدين وليس غريباً عنه مما يحوّل الصراع من إلغاء الآخر إلى تكامل معه..
في رحلة الإسراء لم يُصَلِّ كل نبي صلاته الخاصة بشِرعته، بل اصطفوا جميعاً خلف إمام واحد، وهذا المشهد يجسّد وحدة المرجعية بأن جميع الشرائع تصب في نهر واحد، والصلاة جماعة هي أرقى أشكال الدبلوماسية التي هي القبول بالقيادة الموحَّدة، مع الحفاظ على وجود ومكانة كل نبي وكل أمة تبعته..
تأتي ذكرى الإسراء والمعراج لا كحدثٍ تَـعـبُّدي فقط، بل كمنظومة متكاملة من الرسائل السياسية والدبلوماسية والحضارية التي لو تأملها صُنَّاع القرار اليوم لوجدوا فيها خارطة طريق لسلام عالمي حقيقي ومستديم..
لقد كسر الإسراء الحدود التقليدية للجغرافيا، فربْط مكة بالقدس لم يكن مجرد انتقال مادي بل كان إعلاناً لدبلوماسية الوصل في عالمنا المعاصر الذي يسعى فيه البعض لبناء الجدران العازلة وترسيخ سياسات الفصل، لتأتي هذه الرحلة لتقول إن المقدَّس المشترَك يجب أن يكون نقطة التقاء لا ساحة صراع؛ والربط بين المسجدين هو تأكيد على أن السلام في الشرق الأوسط والعالم تبعاً لذلك يبدأ من الاعتراف بمركزية القدس كجسر روحي وحضاري يجمع ولا يفرّق..

تمثّل إمامة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - للأنبياء جميعاً في المسجد الأقصى أول وأكبر قمة دبلوماسية في تاريخ البشرية، فلم تكن الصلاة مجرد طقس بل كانت اعترافاً متبادَلاً بين الشرائع وتكريساً لمبدأ وحدة المصدر وتعدُّد المسارات، من هنا نستلهم أن السلام العالمي لا يتطلب ذوبان الهويات، بل يتطلب الاعتراف المتبادَل وقيادة أخلاقية توحّد الجهود نحو الخير العام للإنسانية، تماماً كما اصطف الأنبياء خلف كلمة واحدة وروح واحدة..
وبينما يتصارع العالم اليوم على سيادات وهمية وحدود ترسمها القوة العسكرية، يعلّمنا المعراج أن السيادة الحقيقية هي سيادة القِيَم، فقد عرج النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى سدرة المنتهى ليعود بمنهج ينظّم حياة الناس بالعدل والصلاة والصلة، فالارتقاء الحقيقي هو الذي يأخذ بيد المهمَّشين نحو كرامة العيش..
إن دبلوماسية المعراج تخبرنا أن القائد الحقيقي هو مَنْ يستمد قوته من سمو مبادئه لا من حجم ترسانته، وأن أي نظام سياسي لا يضع كرامة الإنسان وحقوقه في قمة أولوياته هو نظام محكوم عليه بالهبوط مهما علا شأنه..
في تلك القمة التي جمعت الأنبياء لم يطالب أحد بإلغاء الآخر، بل اصطف الجميع خلف الحق؛ هذا هو النموذج الذي يحتاجه عالمنا اليوم.. تعدُّدية لا تؤدي للصدام، ووحدة لا تفرض الذوبان..
إننا اليوم أحوج ما نكون إلى استحضار روح الإسراء في دهاليز السياسة الدولية، فالسلام الذي ننشده ليس مجرد هدنة بين الحروب، بل هو عروج حضاري يترفع فيه الساسة عن الصغائر، ويدركون أن مصير مكة والقدس وعواصم العالم أجمع مرتبطة برباط وثيق من القِيَم الإنسانية..
السلام الحقيقي يحتاج إلى قادة يملكون شجاعة العروج فوق المصالح الضيّقة ليروا العالم من الأعلى كجسم واحد لا كقطع جغرافية متناحرة.. السلام هو أن نتحرر من ثقل الأنانية القومية لنحلّق في سماء المسؤولية الإنسانية المشترَكة..
السلام ليس اتفاقية تُوقَّع بالحبر وتذروها الرياح، بل هو عَقْد روحي يربط أجيال الماضي بتطلّعات المستقبل..
إن دبلوماسية الإسراء هي دبلوماسية الزمن المفتوح التي تخبرنا أن الظلم مهما طال ليله - كـ(عام الحزن) - فإنه يظل سحابة عابرة في عمر التاريخ، بينما تظل القِيَم العادلة هي الثابت الوحيد الذي يعرج بالإنسانية نحو خلودها الحضاري..
في ذكرى الإسراء والمعراج ندعو إلى أن تعرج عقولنا نحو الحِكمة، وأن تُسرى أرواحنا نحو السلام، لنبني عالماً يقدّس الإنسان كما قدّس المكان؛ فدبلوماسية الإسراء ليست تنظيراً حالماً، بل هي دعوة لواقعية تؤمن بأن الجسور أقوى من الجدران، وبأن كرامة الإنسان هي بوصلة السيادة، وبأن أُفُق السلام أوسع دائماً من خيال المحاصرين..
ختاماً.. أقول إن أي سلام لا يبدأ من كرامة الإنسان سيظل هدنة مؤقتة مهما طال أمده.


* سياسي يمني
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
معجب بهذا الخبر
انشر في فيسبوك
انشر في تويتر
المزيد من "مقالات"

عناوين أخرى

الافتتاحية
الذكرى 63 لثورة 14 أكتوبر المجيدة عام 1963م
أ. د / عبدالعزيز صالح بن حبتور*

حوارات
جريمة الرئاسة
مقالات
الحوار المسئول فجر يمننا الجديد
يحيى نوري

عندما يسقط الوعي في فخ التوصيف
أماني محمد

صدقوني.. البندقية لن تنتصر..!!
د. عبدالوهاب الروحاني

فائض القوة والثروة لا يصنع نصراً
أحمد الزبيري

البردوني... الشاعر الذي لم يشبه عصره
زعفران علي المهنا

متى سينتهي موسم الحصاد؟
يحيى حسين العرشي

من يرحم المواطن من لهيب الأسعار؟!
عبدالسلام الدباء

صنعاء ليست تابعة لأحد
د. أحمد إبراهيم القديمي

متى نتعلّم أن نختلف ونبقى أهلًا؟
نبيل الجماعي

سقوط المعايير: عندما تصبح قاعات الفنادق في (جنيف) منصة لإطلاق النكف القبلي !!
محمد علي اللوزي

اليمن ليس ساحةً مفتوحةً للحروب إلى الأبد
د. يحيى أبو زكريا

جميع حقوق النشر محفوظة 2006-2026 لـ(الميثاق نت)