مبارك حزام العسالي - لم تعد خطورة المشهد اليمني الراهن محصورة في استمرار الصراع المسلح، ولا في تعثُّر الحلول السياسية فحسب، بل في التحوّل العميق الذي يطال طبيعة الصراع نفسه، ويعيد تشكيله مجددًا على أسس أكثر خطورة وتعقيدًا.. فاليوم، يستمر الواقع اليمني بالاتجاه نحو تكريس نموذج قائم على بناء قوى عسكرية وأمنية تستند إلى ولاءات طائفية أو مذهبية أو حزبية أو مناطقية، في تغييب شبه كامل لفكرة الولاء الوطني الجامع..
إن هذا المسار لا يهدّد مستقبل اليمن كوحدة سياسية فحسب، بل يضرب الأسس التي تقوم عليها الدولة الحديثة التي ينشدها أبناء الشعب اليمني شماله وجنوبه، شرقه وغربه، ويحوّل الصراع من أزمة سياسية قابلة للاحتواء، إلى حالة تفكك بنيوي يصعب معالجتها لاحقًا.. فعندما يُعاد تعريف القوة المسلحة بوصفها أداة تمثيل لهوية ضيّقة، لا أداة لحماية المجتمع ككل، يصبح السلاح وسيلة لإدارة الانقسام لا لحماية الاستقرار..
إن أخطر ما في بناء جيوش خارج الإطار الوطني، أنها تُفرغ مفهوم الدولة من معناه، وتخلق واقعًا تتعدد فيه مراكز القرار والقوة، وتغيب فيه المرجعية السيادية الجامعة.. ومع مرور الوقت، لا تعود الدولة غاية يُسعى إليها، بل عبئًا يُنظر إليه كعائق أمام مشاريع النفوذ والسيطرة الخارجية، ويُستبدل بها منطق الأمر الواقع القائم على القوة والسلاح..
وفي هذا السياق، يتحول الصراع تدريجيًا من صراع حول مشروع وطني أو شكل الدولة، إلى صراع بين شبكات نفوذ متنافسة، لكل منها سلاحها، ومصالحها، وخطابها الخاص.. وهو ما يؤدي إلى إدامة الحرب، لأن استمرار الفوضى يصبح شرطًا لبقاء هذه التكوينات، وليس نتيجة عارضة للصراع..
كما أن عسكرة الهويات الضيّقة تُلحق ضررًا بالغًا بالنسيج الاجتماعي اليمني، إذ تُحوّل التنوّع التاريخي في المجتمع إلى مصدر تهديد، وتعيد إنتاج الاختلافات الطبيعية في صورة صراعات مسلحة.. ومع الوقت، تتكرس خطوط تماس اجتماعية ونفسية عميقة، تتجاوز الجغرافيا، وتزرع الشك والكراهية بين أبناء المجتمع الواحد، ما يهدد بفقدان أي قاعدة للتعايش المستقبلي..
ولا يقف الأمر عند حدود التفكُّـك الاجتماعي، بل يمتد ليشمل بنية الاقتصاد والحياة اليومية.. فحين تتحول التشكيلات المسلحة إلى قوى إدارة فعلية، تفرض الجبايات، وتسيطر على الموارد، وتتحكم بحركة الناس، تصبح الدولة غائبة تمامًا، ويحل محلها اقتصاد القوة، حيث يُكافأ الولاء، ويُعاقَب الحياد، وتُقصى الكفاءات الوطنية غير المنخرطة في هذا المشهد..
وفي ظل هذا الواقع، يُهمَّش مفهوم الخدمة العامة، وتُفرغ المؤسسات من مضمونها، ويُستبدل الانتماء الوطني بالانتماء الفئوي كمعيار للنفوذ والترقية والحماية.. وهو ما يدفع قطاعات واسعة من المجتمع إلى الهجرة، أو العزلة، أو الالتحاق القسري بأحد أطراف الصراع بوصفه الخيار الوحيد للبقاء..
ويزداد المشهد خطورةً حين يُمنع أو يُعطَّل أي جهد حقيقي لتوافق اليمنيين على إعادة بناء مؤسسة عسكرية وطنية مهنية، تخضع لسلطة مدنية، وتعمل وفق عقيدة وطنية جامعة.. فغياب هذه المؤسسة لا يعني فقط استمرار الفوضى، بل يعني أيضًا أن أي تسوية سياسية مستقبلية ستظل بلا ضمانات، لأن السلاح سيبقى خارج السيطرة، وقابلًا للاستخدام عند أول خلاف..
ولا يمكن عزل هذه التحوّلات عن محيطها الإقليمي، إذ إن استمرار اليمن كمساحة مفتوحة لعسكرة الهويات والصراعات غير المنضبطة، يشكّـل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي.. فالجغرافيا اليمنية، بحساسيتها الاستراتيجية، لا تحتمل واقعًا تتحكم فيه قوى غير منضبطة، أو جماعات ذات نزعات متشدّدة، لما لذلك من انعكاسات على الأمن البحري، والاستقرار الإقليمي، وحركة التجارة الدولية..
إن التعامل مع هذا الواقع باعتباره أمرًا مؤقتًا أو قابلًا للتعايش، هو أخطر أشكال الإنكار.. فالتاريخ القريب يؤكد أن الجيوش التي تُبنى خارج الدولة لا تذوب تلقائيًا، بل تتحول إلى عائق دائم أمام أي مشروع وطني، وتُنتِج دورات جديدة من العنف حتى بعد توقف الحروب..
الخلاصة.. إن الخطر الحقيقي الذي يواجه اليمن اليوم لا يكمن فقط في استمرار الصراع، بل في المسار الذي يحوّله إلى بنية دائمة قائمة على عسكرة الهويات وتفتيت المجتمع.. والخروج من هذا المأزق لا يبدأ بتغيير موازين القوة، بل باستعادة فكرة الدولة، ورفض تعدُّد الجيوش، وإعادة الاعتبار للمواطَنة المتساوية، وبناء قوة وطنية واحدة يكون ولاؤها لليمن وحده، بكل شرائحه ومكوّناته، دون استثناء.
|