محمد علي اللوزي - ليس من السهل على الدول أن تعترف بأخطائها، ولا على الأنظمة أن تُقرّ بأن رهاناتها الكبرى كانت خاسرة؛ غير أن الوقائع، حين تتراكم، تُجبِر الجميع على مراجعة الحسابات، ولو متأخرين.. هذا تمامًا ما حدث – ويحدث – مع المملكة العربية السعودية، بعد سنوات من سياسات الانفتاح غير المحسوبة، والارتهان للغرب، وتقديم التنازلات تحت وَهْم “الحماية الدولية” و”التحالفات الاستراتيجية”..
لقد جُرّبت كل الوصفات:
تريليونات أُنفِقت لإرضاء إدارة ترامب، انخراط سياسي وإعلامي في مسار التطبيع، تواطؤ مُخزٍ مع العدوان الصهيوني على غزة، استعدادٌ معلَنٌ للتوقيع على اتفاقية إبراهام، تخَلٍّ صريح عن قضايا الأمة العربية، زَجٌّ بالعلماء والدعاة في السجون، قطيعة مع الإرث الديني التقليدي، فتحُ الأبواب أمام التغلغل الصهيوني في المنطقة، وانحياز متدرّج لصالح إسرائيل، وصولًا إلى استعداء طهران ضمن حسابات لم تُقرأ نتائجها جيدًا..
ومع ذلك كلّه، لم تنل السعودية ما وُعِدت به..
لا حماية حقيقية، ولا شراكة متكافئة، ولا احترام للسيادة، بل مزيد من الابتزاز، ومزيد من الاستنزاف، ومزيد من محاولات تطويق الدور السعودي وتقليص نفوذه الإقليمي..
المفارَقة المؤلمة أن الخطر لم يكن قادمًا فقط من خصوم تقليديين، بل من “حلفاء” مارسوا دور الخنجر في الخاصرة.. فقد تَـكشَّفت، مؤخرًا، ملامح مؤامرة "صهيو–إماراتية" كانت تُحاك بهدوء، هدفها تطويق المملكة جغرافيًا وسياسيًا، وخنْقها من الجنوب عبر اليمن، وتحويل هذا البلد إلى ساحة نفوذ دائم لأبو ظبي، خارج أي حسابات سعودية أو عربية..
ففي جنوب اليمن، لم تكن الإمارات تُدير “تحالفًا”، بل مشروعًا خاصًا:
ميليشيات مسلحة، كيان انفصالي متمثّل في المجلس الانتقالي، سيطرة على الجزر والموانئ الاستراتيجية، وضْع اليد على حقول النفط والغاز، وصرف مليارات الدولارات لتكريس وجود طويل الأمد، ظنًّا منها أن الرياض ستبقى أسيرة حسابات قديمة أو رهينة للضغوط الدولية..
غير أن ما حسبته أبو ظبي نصرًا مؤجَّلًا، انقلب عليها هزيمة مدوّية..
ضربة استباقية في عمق المشروع؛ فما قامت به السعودية في جنوب اليمن لم يكن إجراءً تكتيكيًا عابرًا، بل ضربة استباقية مجلجلة في عمق المؤامرة.. ضربة أعادت رسْم الخطوط، ووضعت حدًا للتغوُّل الميليشياوي، وأربكت المشروع الإماراتي الذي بُنيَ على الوهم والمال والقوة الخشنة..
ومع هذه الضربة، تبخَّرت مليارات الدولارات التي صُرفت لتوطيد النفوذ الإماراتي، وسقطت رهانات السيطرة على الموانئ والجزر وحقول الثروة، وتبيَّن أن المال وحده لا يصنع نفوذًا دائمًا، ولا يؤسّس مشروعًا مستقرًا..
الأهم من المشهد الميداني، هو ما تلاه سياسيًا وإعلاميًا؛ فنحن أمام تحوُّل دراماتيكي في السياسة السعودية، فرضته التجربة لا الشعارات..
فـ”الإخوان المسلمون” لم يعودوا ذلك “الشر المستطير” في الخطاب الرسمي، والعلاقة معهم خرجت من منطق الاستئصال إلى منطق البراغماتية، تجنُّـبًا للقطيعة الكاملة، وإدراكًا بأن تصفية الخصوم داخليًا لا تبني استقرارًا ولا تصنع حلفاء..
كما أن توصيف العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان في الإعلام السعودي بأنه “عدوان”، لا “حق دفاع”، يشير إلى مراجعة – ولو جزئية – لمسار طويل من التماهي مع السردية الصهيونية..
وفي السياق ذاته، يبدو أن الرياض بدأت تُدرك أن الرهان الأحادي على واشنطن لم يعد آمنًا، وأن سياسة الانفتاح الثقافي والاقتصادي غير المنضبط لم تجلب سوى الابتزاز السياسي والضغط القِيَمي.. ومن هنا، يبرز توجُّه متنامٍ نحو الشرق، الصين وروسيا، بوصفه خَيارًا استراتيجيًا لا يقوم على التبعية، بل على تنويع الشراكات وكسر الاحتكار الغربي للقرار..
وفي كل الأحوال، إن الدرس الأوضح من كل ما جرى هو أن الدول لا تُدار بالعواطف، ولا تُحمى بالتنازلات، ولا تُصان بالارتهان.. السيادة تُنتزَع ولا تُوهَب، والتحالفات تُبنى على النّدية لا على الخضوع، والأوطان التي تتأخر في مراجعة أخطائها تدفع ثمنًا مضاعفًا..
قد تكون إفاقة الرياض متأخرة، لكنها – إنْ تحوَّلت إلى مراجعة شاملة وجريئة – قادرة على إعادة تصحيح المسار، وإفشال مشاريع التفتيت، واستعادة دورها الطبيعي في الإقليم، بعيدًا عن أوهام سقطت، وتحالفات أثبتت أنها لم تكن يومًا أمينة..
ويبقى السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم:
هل تكتفي الرياض بإدراك حجم المؤامرة التي كادت أن تُطبِق على عنقها، أم أنها ستترجم هذا الإدراك إلى فعل سياسي حقيقي يعيد صياغة علاقاتها في الإقليم، وفي مقدمتها علاقتها مع اليمن؟..
إن التحوُّل الحقيقي لا يُقاس بتَبدُّل الخطاب ولا بتَراجُع حِدّة التصريحات، بل بكسْر المحرَّمات القديمة والدخول في مقاربات جديدة تقوم على الاعتراف بالوقائع لا إنكارها.. واليمن، بعد سنوات الحرب والحصار، لم يعد ساحة يمكن تجاوز فاعلها الحقيقي أو القفز عليه.. فـأنصار الله باتوا رقمًا صعبًا في المعادلة اليمنية والإقليمية، لا يمكن تجاوزه ولا استبعاده، وأي حديث عن سلام أو استقرار دونهم هو حديث بلا مضمون..
من هنا، تبرز فرصة تاريخية أمام الرياض:
أن تتحول من سياسة إدارة الصراع إلى سياسة صناعة السلام، عبْر بناء علاقات متقدّمة ومباشرة مع اليمن من بوابة أنصار الله، لا بوصفهم خصمًا مؤقتًا، بل طرفًا وطنيًا يملك الأرض والقرار والتأثير..
لقد قدّم أنصار الله محددات واضحة للدخول في السلم كافة:
وقف العدوان، رفع الحصار، احترام السيادة اليمنية، إنهاء الوصاية الخارجية، ومعالجة الملفات الإنسانية والاقتصادية بروح المسؤولية لا بمنطق الإملاء.. وهي اشتراطات موضوعية، لا تعجيزية، بل تمثّل الحد الأدنى لأي سلام عادل ومستدام.. والأهم أن الرياض – وفق المعطيات – أبدت موافقتها على هذه المحددات، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة إن توفَّرت الإرادة السياسية..
السؤال، إذن، ليس: هل يمكن؟..
بل: هل تريد الرياض أن تفعل؟..
فالانتقال من مربع المواجهة إلى مربع الشراكة مع اليمن المستقل، الموحَّد، القادر على حماية قراره، ليس تنازلًا سعوديًا، بل مكسباً استراتيجياً يقطع الطريق على المشاريع الصهيو–إماراتية، ويغلق ثغرة الجنوب التي استُخدمت لابتزاز المملكة واستنزافها..
إن سلامًا حقيقيًا مع اليمن، قائمًا على النّدية والاحترام المتبادَل، كفيل بأن يحوّل خاصرة السعودية الجنوبية من مصدر تهديد إلى عمق استراتيجي آمن، ويؤسّس لعلاقات جوار مستقرة، بعيدًا عن الوكلاء والميليشيات والمشاريع العابرة للحدود..
هنا تُختبَر جِدّية الإفاقة السعودية:
إما أن تكون خطوة شجاعة نحو مستقبل مختلف، أو أن تبقى مجرد مراجعة متأخرة لا تلبث أن تتآكل تحت ضغط الحسابات القديمة..
والتاريخ، كما هو معروف، لا ينتظر المتردّدين.
|