عبدالسلام الدباء* - هل يمكن لبلدٍ أنهكته الحروب أن يبتسم؟.. وهل يمكن لوطنٍ غارقٍ في الألم أن يجد في صدره متسعاً للتنفس؟.. اليمن، هذا البلد الذي كان يُعرف يوماً بـ"السعيد"، يعيش اليوم مفارقة قاسية بين اسمٍ يفيض أملاً وواقعٍ يقطر وجعاً.. ومع ذلك، لا يزال هذا الوطن العتيق يدهشنا بقدرته على البقاء، كمَنْ يصرّ على أن يغنّي للحياة رغم انكسار صوته..
من شمالٍ تتناثر فيه الحكايات الحزينة، إلى جنوبٍ يحمل فوق كتفيه ذاكرة الانقسام والأمل المؤجَّل، يتوزع أنين اليمنيين على خريطةٍ من الغبار والمطر.. ففي صنعاء التي تختنق تحت وطأة الأزمات، وفي عدن التي تنوء بصراعات النفوذ، وفي تعز التي أنهكها الحصار، والحديدة التي يبتلعها الجوع، يظل المشهد واحداً.. وطنٌ يتأرجح بين أنين الحرب ونبض الحياة..
ومع ذلك، فإن العجيب في اليمن أن الحياة لا تعرف الاستسلام.. ففي الأزقة التي ما زالت تفوح منها رائحة البارود، ثمة أطفال يركضون وراء كرةٍ من قماش، يضحكون كما لو أن الغد وعدٌ مؤكد.. وفي الأسواق، برغم الغلاء والفقر، تعود أصوات الباعة لتعلن أن الجوع لا يقتل الكرامة.. وفي القرى الجبلية النائية، يواصل المزارعون حراثة الأرض، كأنهم يكتبون رسالة صامتة للعالم: "ما زلنا هنا، نزرع رغم القحط"..
لقد مَـرَّ على اليمن ما يكفي ليهزم أكثر الشعوب صلابةً، لكن شيئاً في روحه يأبى الانكسار.. فالوطن ليس فقط خرائط وحدوداً، بل إحساساً متجذّراً بالانتماء وبالكرامة، وبالإيمان بأن الفجر لا بد أن يأتي مهما طال الليل.. وحتى حين خانته السياسة وتنازعت عليه المشاريع الصغيرة، ظلّ اليمنيون -بصدقهم البسيط- يحفظون للوطن مكانته في قلوبهم، كما يحفظ المؤمن صلاته في قلب العاصفة..
وحين نقرأ في عيون الأمهات اللواتي يرسلن أبناءهن إلى المدارس رغم الخطر، وفي وجوه الشباب الذين يعيدون ترميم ما تَـهدَّم بأيديهم، نفهم أن هذا الشعب لا يعيش على الأمل فقط، بل يصنعه كل يوم.. إنهم لا ينتظرون السلام من اتفاقٍ يُوقَّع على الورق، بل ينسجون سلامهم بخيوط الصبر واليقين..
اليمن اليوم جريح، نعم، لكنه حيّ.. ينزف، لكنه يتنفس.. يئنّ، لكنه يحلم.. وبين أنين الحرب ونبض الأمل، يكتب هذا الوطن ملحمته الخاصة، ليقول للعالم: إن مَنْ يعرف طعم الألم، هو وحده مَنْ يدرك قيمة الحياة..
وربما في نهاية المطاف، سيبقى هناك سؤال معلَّق في ذاكرة التاريخ.. كيف لبلدٍ أرهقته الحروب، أن يظل قادراً على الحُبّ؟..
والجواب بكل بساطة: لأنه اليمن…
الوطن الذي يتنفس رغم الوجع.
*مستشار وزارة الشباب والرياضة
|