د. ربيع شاكر المهدي* - قال تعالى: “شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه”.. (الشورى 13)
هذه الآية الكريمة تؤكد أن الرسالات السماوية رغم تعدُّدها عبر العصور لم تفقد جوهرها الواحد..
وموضوعي اليوم كما يظهر بداية في العنوان لا يهدف إلى دمج الأديان بل إلى ترسيخ احترامها في تنوعها وإدراك أن وحدة المقصد الإلهي لا تُلغي تنوع الطرق إليه تمامًا، كما أن تعدد اللغات لا يغيّر حقيقة المعنى الواحد..
فمنذ فجر التاريخ كانت حاجة الإنسان إلى الإيمان جزءًا من تكوينه مثل حاجته إلى الضوء والهواء ومع مرور العصور تنوعت الرسالات وتعددت الشرائع لكن المنبع ظلّ واحدًا والغاية لم تتغير أن يعرف الإنسان ربَّه ويعرف نفسه من خلاله فمن ينظر إلى الأديان بعيون التاريخ سيراها متفرقة في الزمان والمكان لكن من ينظر إليها بعيون الوعي يكتشف أنها تجليات متعددة لحقيقة واحدة كألوانٍ مختلفة تصب في نور أبيض واحد..
فالإسلام والمسيحية واليهودية تشترك جميعها في جوهر الرسالة الإيمان بالله وعمارة الأرض بالعدل وصون الكرامة الإنسانية ومحاسبة النفس أمام الخالق والتعدد في الشرائع لا ينفي الوحدة في المصدر بل يؤكد مرونة الحقيقة الإلهية التي تتجسد في كل عصرٍ بما يناسب مستوى الوعي الإنساني فالله سبحانه وتعالى لا يغيّر رسالته بل ينوّع طرق إيصالها رحمةً بخلقه وعدلًا في مخاطبة عقولهم وقلوبهم..
الحق لا يتعدد لأن التعدد خاصية المخلوقات لا الخالق فإذا كان الله واحداً فحكمته واحدة وغايته من الخلق واحدة وسبيله إلى الإنسان واحد في جوهره وإن اختلفت اللغات والرموز فالأنبياء ليسوا مؤسسين لأديان متنافسة بل هم رُسلٌ لرسالةٍ واحدة تتطور مع تطور الوعي الإنساني من التوحيد إلى الإيمان بالمحبة فالحقيقة المطلقة لا تتعدد لأن تعددها يؤدي إلى التناقض ولو كانت الأديان متضادة في جوهرها لما اجتمعت على أصولٍ واحدة الإيمان بالغيب والعدل والجزاء والأخلاق والرحمة ولهذا فإن كل ما يفرّق الناس ليس الرسالة الإلهية بل التفسير البشري لها فالتأويلات تتنازع أما النور الإلهي فلا يتناقض..
وفي هذا السياق من المهم أن أؤكد أن الحديث عن وحدة الجوهر لا يعني المساواة بين الأديان في تفاصيل العقيدة أو إلغاء الخصوصية الإيمانية لأي دين بل هو إعلاءٌ للقِـيَم المشترَكة دون المساس بالثوابت وإقرارٌ بأن الله وحده هو الحَكم بين عباده فيما اختلفوا فيه، فالمقصود توحيد الوعي الإنساني حول مقاصدها الكبرى الحق والرحمة والسلام..
إنّ التنوّع سُنة كونية، والوحدة جوهر الخلق، وبينهما تتجلّى حكمة الله، ولذلك يجب أن يكون العصر القادم عصر وعي الرسالات لا صراع العقائد حيث يدرك الإنسان أن الإيمان لا يُقاس بانتمائه الديني بل بمقدار ما يعكس من النور الإلهي في سلوكه وتعامله مع الآخرين، فالحروب تبدأ في العقول قبل أن تشتعل في الميادين؛ وحين يتصالح الإنسان مع أخيه تتصالح الأرض كلها معه..
فالأديان السماوية في حقيقتها دينٌ واحدٌ في صورٍ متعدّدة، رسالته أن يعرف الإنسان الله في كلّ شيء وأن يحبّ الخير لكلّ أحد؛ وإذا كان الله واحداً لا شريك له فكل طريقٍ صادقٍ إليه هو من نوره وإليه يعود؛ وكما تتعدد الأنهار وتبقى جهة البحر واحدة تتعدد الأديان وتبقى وجهة الروح هي الله، وفي النهاية كلّ طريقٍ صادقٍ إلى الله هو نورٌ من نوره وكلّ روحٍ مُحِبةٍ للخير هي شاهد على وحدانيته في خلقه..
ومع اتساع الوعي الإنساني سيكتشف البشر أن مستقبل الإيمان ليس في غلبة دين على آخر بل في انتصار الروح على التعصب، والمحبة على الكراهية، فكما أن النور لا يقسم كذلك الحقيقة لا تتجزأ..
أعزائي الأكارم ليس المقصود في طرحي المساواة بين العقائد أو إلغاء الفوارق الإيمانية، بل التأكيد على أن الأصل واحد وأن الله سبحانه وتعالى هو الحَكَـم بين عباده فيما اختلفوا فيه، والقصد واحدة المقاصد لا واحدة الطقس، ووحدة النور لا وحدة الشعائر.
*سياسي يمني |