المستشار/ أحمد علي جحاف - عقد الستينيات من القرن الماضي شهدت اليمن 4 أحداث مفصلية عظيمة أحدثت حالة تحوُّل كبرى في حياة الشعب اليمني شمالاً وجنوباً، وكان لها آثار غير عادية على المستويين الإقليمي والدولي:
○ الحدث الأعظم الثورة الأم 26 سبتمبر 1962م ذات الأهداف العظيمة الخالدة التي حملت معالم مشروع وطني عظيم بأبعاده العربية والإسلامية والإنسانية ليكون اليمن جزءاً من العصر وفاعلاً متفاعلاً منفتحاً مع عالمه العربي وأمته الإسلامية والمجتمع الإنساني {شرقاً وغرباً} في ظل نظام ديمقراطي عادل يضمن الحريات والمساواة.. تَطوَّر تدريجياً إلى دولة الوحدة الديمقراطية ذات التعددية الحزبية والمجالس المحلية المنتخَبة؛ ولاحقاً وعن قريب الدولة الاتحادية الفيدرالية التي تحددت معالمها في مخرجات الحوار الوطني، وسوف يتم تسوية ما لا يزال موطن خلاف وهو عدد وحدود الأقاليم عبر المفاوضات، ليكون اليمن الدولة المؤسساتية الأحدث في سَبْق حضاري معاصر على مستوى الجزيرة العربية وعالمه العربي..
وشكلت ثورة سبتمبر المنطلق والحضن الراعي والحاضن والداعم للأحداث الثلاثة الاخرى..
○ ثورة 14 أكتوبر 1963م التي انطلقت من جبال ردفان الأبية بقيادة الشهيد البطل راجح غالب لبوزة، لتحرير جنوب الوطن من الاستعمار البريطاني..
حركة 5 نوفمبر 1967م المجيدة التي أنهت الحرب الطاحنة بانتصار النظام الجمهوري واندحار النظام الملكي، وأنقذت اليمن من جحيم صراع الغرب الليبرالي ممثلاً في الدور السعودي الداعم مالياً وتسليحاً وسياسياً للملكيين، والشرق الاشتراكي ممثلاً في الدور المصري الحاضر عسكرياً وتسليحاً وداعماً مالياً وسياسياً، وساحة الحرب الأرض اليمنية، ووقودها الشعب اليمني، ليصل إلى رئاسة الدولة مجلس جمهوري مدني يضم أبرز عظماء اليمن {سياسياً وعِلماً وفكراً ونضالاً وأدباً} الارياني والنعمان والشامي ومحمد علي عثمان، وبرئاسة رئيس مدني هو القاضي عبدالرحمن الارياني، وهذه حالة استثنائية في تاريخ اليمن الجمهوري..
30 نوفبمبر 1967م اليوم الخالد الذي شهد انسحاب آخر وجود عسكري للاستعمار البريطاني، وأُعلن فيه استقلال جنوبنا الحبيب وقيام "جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية"..
يوم 30 نوفمبر القادم تطل علينا الذكرى الـ 58 لاستقلال جنوب الوطن من الاستعمار البريطاني الذي هيمن على عدن على مدى أكثر 129 سنة (منذ عام 1839م) وبعد نضال مرير, وكفاح عسير بدأ بقيادة البطل راجح غالب لبوزة في جبال ردفان.. بعد استشهاده تصاعد وتوسع النضال تدريجياً بقيادة الجبهة القومية للتحرير التي تاسست عام 1963م, وجبهة تحرير جنوب اليمن التي تأسست في عام 1964م، وفي ظل متغيرات محلية وعربية ودولية خلقت بيئة داعمة، منها نجاح ثورة 26 سبتمبر الذي شكل حافزاً وإلهاماً وعاملاً قوياً وراعياً وداعماً لوجيستياً وتدريبياً وإعلامياً، وتصاعد المد القومي العربي بقيادة مصر الداعمة مالياً وسياسياً لنضال التحرير، وتراجع النفوذ البريطاني بعد الحرب العالمية الثانية، ونمو حركات التحرر في آسيا وأفريقيا، وتأثير الحرب الباردة أدى إلى دعم حركات التحرر من قِبَل المعسكرين الشرقي والغربي وفق مصالحهما..
● النتيجة:-
نضال شعب يمني عظيم، تشابك وتضافر وانصهر ليصنع عصراً جديداً في اليمن السعيد ويتحقق استقلال جنوب اليمن بعد قرن ونيف من الزمان تحت وطأة الاستعمار البريطاني، لتشرق شمس يوم 30 نوفمبر 1967م على جنوب يمني حر مستقل بعد انسحاب القوات البريطانية، في ظل دولة مستقلة اسمها "جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية" تحولت لاحقاً إلى "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" ذات النظام الماركسي الاشتراكي..
تحليل عقلاني لنتائج الحدث:
من منطلق أن الأمة التي لا تحسن تقييم ماضيها (إيجاباً وسلباً)، تفشل في صنع حاضر جيد ومستقبل أجود، وتسير من سيئ الى أسوأ.. العقل الناقد نعيم، والعقل المطبّل جحيم، وتبرير الأخطاء فعل سقيم، والنفس اللوامة تؤدي إلى التطور والسير نحو الأحسن وتلافي الأخطاء والانتقال إلى الأفضل..
أولاً: الايجابيات
○ أنهى ثاني أطول استعمار على مستوى العالم العربي لا يفوقه الاستعمار الفرنسي للجزائر.
○ صهر السلطنات والمشيخات في كيان دولة واحدة.
○ استعادة السيادة الوطنية، والهوية السياسية.
○ بناء مؤسسة دولة مركزية مستقلة، وجيش، وتعليم، وإدارة محلية منظمة.
○ تقليص الفوارق الطبقية لتبنّيه
نظاماً اشتراكياً.
○ ساد شعور بالمساواة والعدالة الاجتماعية في البداية.
○ صياغة هوية وطنية يمنية جنوبية بعيدة عن النفوذ الخارجي.
○ وعي سياسي تنظيمي متقدم قياساً بدول المنطقة حينها.
○ لعب الجنوب دوراً مؤثراً في دعم حركة التحرر العربية والأفريقية.
ثانياً: السلبيات
ليس من باب جلد الذات، بل من باب نقد الذات، لتطوير الذات، ومن باب عدل الذات مع الذات، من أجل سمو الذات، والارتقاء بالذات، ورفع قدرات الذات، لتحسين عيش ورفاهية الذات، وتنمية وطن الذات.
○ تبنّي الفكر الأيديولوجي الماركسي اللينيني المتشدد كان كارثة كبرى على الجنوب وجعل البلاد في عزلة كاملة مع محيطها الإقليمي العربي والإسلامي، وعن العالم الليبرالي الحديث، وأصبح جنوب وطننا وأهلنا في الجنوب حبيسي عدة سجون، سجن الفقر، وسجن عدم الحريات، وسجن واسع مُحْكَم العزلة والانغلاق عن العالم عدا العالم الاشتراكي الشيوعي، فتخلفت البلاد وجاع العباد، وتدهورت الخدمات، وتخلفت البنية التحتية، وتوسعت السجون..
○ أدى ذلك إلى صدامات داخلية بين أجنحة الجبهة القومية، وذبح وسجن الرفاق بعضهم البعض, وحضر الموت والفوت وقلة القوت, وصارت المعاناة هي سيدة المشهد, والسجون والتصفيات والمشانق هي سمة عامة للعهد.
○ اقتصاد مركزي وضعف مهول في التنمية، وتأميم الممتلكات والشركات والاقتصاد الموجَّه وأدَ روح المبادرة الفردية، وتراجع الإنتاج وهاجر أصحاب رأس المال بدون مال بعد تأميم رأس المال، ولم يحضر الاستثمار، وغابت فرص العمل.
○ شهد جنوبنا الحبيب سلسلة من الانقلابات والصدام المسلح الدامي، أبرزها أحداث يناير 1986م الدامية، والذبح بالهوية، ولا تزال رُبا عدن بالدماء ندية، وذُبح القادة والرؤساء، ومات أول رئيس للدولة في الزنزانة، والثاني شُنق، والثالث نجا بصعوبة له من الله كامل الصحة وطول العمر وما زال يناضل من أجل اليمن كل اليمن.. وغاب الأمن والاستقرار، والطغمة أقصت وشردت الزمرة وعائلاتهم، وكان الشمال في المواقف هو الحضن الراعي والحامي فاتحاً قلبه وصدره لأبنائه من جنبه الجنوبي فهم أبناء اليمن ولا فضل لأحد على أحد؛ أبناء انتقلوا من الجنب الجنوبي إلى الجنب الشمالي، وسيظل اليمن قلباً واحداً وروحاً واحدة..
ارتمت الدولة في أحضان الاتحاد السوفييتي واعتمدت عليه اعتماداً كلياً وارتبطت به ارتباطاً مصيرياً وحين سقطت الاشتراكية وجدت نفسها معزولة مديونة منهكة متعبة, وفي وضع دولة فاشلة..
رغم الارتباط الكلي والمطلق بين جنوب الوطن وشماله, أدى الاستقلال وتبنّي الأيديولوجيا الماركسية الاشتراكية إلى انقسام اليمن لعقود, وتعمق التباين السياسي والاقتصادي والفكري والثقافي بين الشطرين مما جعل الوحدة اللاحقة عام 1990م صعبة وغير متكافئة..
النتيجة:-
※ جلاء الاستعمار نعيم, والارتباط بالأيديولوجيا الماركسية الاشتراكية الشيوعية جعله جحيماً..
الاستقلال في 30 نوفمبر كان ضرورة تاريخية مشروعة, وعملاً تحررياً وطنياً عظيماً, لكن دولة ما بعد الاستقلال لم تكن بقدر التحدي..
بنيت دولة في الجنوب قوية شكلاً, ضعيفة في المضمون, دولة شعارات براقة, محدودة اقتصادياً, رغم أن مقوماتها الجغرافية والبدايات إبان الاستعمار كانت تؤهلها لتكون في مصاف Hong Kong, وسنغافورا, وجنوب كوريا, وأكثر رقياً ونمواً من ظبي الآن..
نفس المشهد مع الفارق طبعاً كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية..
خاتمة:
كل كلمة كتبتها نابعة عن صدق وأمانة وحب لهذا الوطن جنوبه وشماله وبعيداً عن أي تعصُّب أو ميول أو عاطفة واجتهدت بشدة من أجل البحث عن إيجابيات ولم أجد غير ذلك وبصعوبة فعلاً الأيديولوجيا الماركسية الاشتراكية ظلمت الجميع قيادةً وشعباً ووطناً ويمناً جنوباً وشمالاً وحتى ظلمت روسيا والصين وحيثما حلت من بلدان الدنيا بطريقة مباشرة وغير مباشرة لبقية بلدان كوكب الأرض..
الله على ما أقول وكيل, والدولة الاتحادية الحديثة المؤسساتية قادمة قريب في اليمن الذي سيعود سعيداً إن شاء الله. |