علي بن محمد صبر - لم تكن الحرب السعودية الأخيرة على اليمن حدثًا طارئًا في مسار العلاقة بين البلدين، بل هي امتداد لسلسلة طويلة من السياسات التي تَشكَّـلت عبر عقود، يمكن وصفها بأنها جزء من إرث تاريخي متجذّر في العقل السياسي السعودي، إرثٌ يقوم على منطق التوسُّع الجغرافي والسيطرة الإقليمية لضمان أمن الدولة المركزية في نجد والحجاز.. فالتاريخ منذ عهد المؤسّس عبدالعزيز بن سعود، يُظهر بوضوح أن اليمن، بما يحمله من موقع جيوسياسي وثقل حضاري، كان يُنظر إليه بوصفه مجالًا حيويًا يجب تطويعه أو تحييده..
غير أن هذا النهج لم يكن محصورًا في الماضي البعيد؛ فقد تَـكـرَّر في مراحل لاحقة بصِيَغ مختلفة، تارةً عبر دعم أطراف سياسية داخل اليمن، وتارةً عبر الحروب الحدودية أو الضغوط الاقتصادية، إلى أن بلغ ذروته في الحرب الشاملة التي اندلعت عام 2015م.. تلك الحرب كشفت أن المخيال السياسي القديم لا يزال فاعلًا، وإنْ تم تغليفه بشعارات الأمن القومي ومواجهة النفوذ الإيراني..
إلا أن المشهد تغيَّر بصورة لافتة في السنوات الأخيرة مع بروز جيل القيادة الجديدة في المملكة، جيلٍ يسعى إلى صياغة هوية سياسية مختلفة تقوم على مبدأ "التحوُّل الوطني والانفتاح العالمي"، وفق ما تضمنته "رؤية 2030م".. هذه الرؤية لم تقتصر على الاقتصاد والمجتمع، بل تسللت إلى منهج التفكير السياسي الخارجي ذاته.. ومن هنا يمكن الحديث عن تحوُّل نوعي في أدوات السياسة الخارجية السعودية، لا في جوهرها العميق بالضرورة، بل في آلياتها ومساراتها..
فالانفتاح الذي نراه اليوم – سواءً في استئناف العلاقات مع إيران، أو في الحوار مع أنصار الله، أو حتى في إعادة الاعتبار لدور الوساطة الإقليمية – يعكس انتقالاً من مرحلة السيف إلى مرحلة السوق؛ من الصراع الصلب إلى النفوذ الناعم.. السعودية لم تعد تسعى إلى السيطرة عبر الدبابات، بل عبر الاستثمار، والإعلام، والثقافة، والرياضة، والمشاريع العابرة للحدود.. هذا التحوُّل البراغماتي يُعبّر عن إدراك جديد لمفهوم القوة في زمن العولمة، حيث يُقاس النفوذ بمدى التأثير لا بحدود الخرائط..
لكن استثمار هذا التحوُّل في الواقع اليمني يتطلب ما هو أعمق من التسويات السياسية.. فالمملكة، إنْ كانت صادقة في توجُّهها الجديد نحو الاستقرار والسلام، مطالَبة بأن تجعل من إعادة إعمار اليمن مشروعًا إنسانيًا واستراتيجيًا في آن واحد؛ مشروعًا يعيد بناء ما دمرته الحرب، ويُعيد الثقة المفقودة في جدوى الحوار الإقليمي.. ذلك أن السلام الحقيقي لا يُقاس بعدد التفاهمات، بل بمدى الترميم الأخلاقي لما خلَّفه العدوان.. فإعادة الإعمار ليست مِـنَّة، بل تعويضاً عادلاً ومسئولية تاريخية تجاه بلدٍ تَحمَّل أعباء حرب مدمّرة لم يجنِ منها سوى الخراب..
ومع ذلك، يظل السؤال الجوهري مطروحًا:
هل هذا التحوُّل هو تعبير عن نضجٍ سياسي ووعي أخلاقي يعترف بحقوق الشعوب وجيرانها في الاستقلال والسيادة؟، أم أنه مجرد إعادة تموضع تكتيكي في عالم تتغير موازينه بسرعة؟!
إن المؤشرات الواقعية تُظهر مزيجًا من الأمرين؛ فالسعودية اليوم أكثر براغماتية من أي وقتٍ مضى، لكنها أيضًا أكثر وعيًا بضرورة استقرار الإقليم، لا حُـبًّا في السلام بقدر ما هو إدراك بأن الاستقرار صار شرطًا للتنمية والبقاء.. وهنا تبرز المفارقة: فالدولة التي خاضت حربًا مدمرة على حدودها الجنوبية، تعود الآن لتبحث في السلام كمنفذ لمستقبلها الاقتصادي والسياسي..
في هذا المعنى يمكن القول إننا أمام تحوُّل تاريخي في الشكل لا في الجوهر؛ جوهرُ السعي إلى النفوذ باقٍ، لكنه غيَّر ثوبه.. فبعد أنْ كان التوسُّع بالسلاح، صار اليوم بالمشروع والصفقة والرؤية..
ويبقى الاختبار الحقيقي في المنحى الأخلاقي والسيادي لهذا التحوُّل: هل ستسمح المملكة لجيرانها بأن ينهضوا بإرادتهم الحرة دون وصاية أو ابتزاز؟، أم ستستمر في إدارة المنطقة بعقلية "الأخ الأكبر" الذي يوزّع الأدوار والولاءات كما يشاء؟..
إن الإجابة عن هذا السؤال وحدها هي التي ستحدّد إنْ كانت السياسة السعودية قد تجاوزت حقًا إرث الجدّ والآباء، أم أنها لا تزال تدور في فلكهم بثوبٍ جديد ولغةٍ أكثر أناقة. |