طه العامري - تتعمر الحياة وتتطور بالأمن والخير والأخلاق والعدل والتعايش مع الآخر لا يهم أياً كان وكيفما كان وكانت عقيدته، المهم أن يؤمن بدوره بحقك بالحياة وأن يؤمن بقِـيَم وأهمية التعايش المشترَك..
أديان السماء أنزلت تشريعاتها وقوانينها، وأرسل الله الرسل والأنبياء من أجل تحقيق الغايات الإلهية الثلاث وهي الإيمان بوحدانية الله وحده لا شريك له، والإيمان بيوم البعث، وتحقيق معيار العدل الاجتماعي بين البشر.. في رسالته التي بعثها الله مع أنبيائه ورسله وضع الله سبحانه وتعالى أمام عباده كل ما ينظم حياتهم وينظم علاقتهم بخالقهم وببعضهم، ولم يترك سبحانه ولو ثغرة يمكن للإنسان أن يتذرع بها، أو يجعلها حُجة للإخلال بأوامر الله سبحانه وتعالى، بل جعل الله الإنسان على نفسه سميعاً بصيراً ومسئولاً عن أي مخالفة قد يرتكبها في الحياة سبق وأن حذُّره خالقه منها، الذي رغم كونه الخالق إلا إنه سبحانه منح المخلوق قدرة على التفكير والتأمل والحرية حتى في الاعتقاد، حين قال سبحانه: "لا إكراه في الدين"..
ما أعظمك يا الله وأنت القائل: "مَنْ شاء فليؤمن ومَنْ شاء فليكفر"، لكنه توعَّد المؤمن بالجنة والنعيم، وتوعَّد الكافر بجهنم والعذاب الشديد..
وقال سبحانه وتعالى: "إن الدين عند الله الإسلام"، والإسلام يشمل كل الديانات السماوية "اليهودية _والمسيحية _ والدين المحمدي الذي جاء به خاتم الأنبياء والمرسلين النبي المصطفى محمد بن عبدالله عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام.. والقرآن الكريم عظَّم موسى وعيسي ومحمد، وأنزل أبانا إبراهيم الخليل عليه السلام منزلة خاصةً وأمرنا بالاقتداء به وأنه هو من سمَّانا المسلمين الذين سلَّموا أمرهم لله الواحد القهار، ومن ذريته اصطفى النبي الخاتم الذي قال عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام: "إنما بُعِـثتُ لأُتمم مكارم الأخلاق".. وقال تعالى: "لإيلٰف قريشٍ إيلٰفيهم رحلة الشتاء والصيف، فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف".. إذاً الإطعام قبل الأمن، هكذا قال الله..
فيما اجتمع عقلاء البشر على ثوابت حياتية تمكّـنهم من العيش المشترَك، هذه الثوابت هي العدل، والخير، والأخلاق.. ما بقي فإن الله كفيل بعباده وهو من يملك مبدأ الثواب والعقاب، ولأجل هذا أوجد سبحانه الجنة والنار، وهو وحده سبحانه من يملك القرار والصلاحية في أن يعفو وأن يعاقب.. ولهذا اجتمع الكثيرون في هذا العالم على مبادئ العيش المشترَك المتمثّلة في الخير والأخلاق والعدل، وهو من دفع عباده بعضهم ضد بعض ليختبرهم وليبلوهم أيهم أحسن عملاً.. كان قادراً سبحانه على أن يجعل عباده أمة واحدة، وقادراً على أن يهديهم كما يريد ولكنه لم يُرِد ذلك، بل قال: "مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ".. يعني الهداية من الله وليس من البشر، والضلال من الله وليس من البشر..
لذا فإن مقياس التديُّن يقوم على الخير والأخلاق والعدل، وليس بتقصير الثوب، ولا بإطلاق اللحى، ولا بالتظاهر المتعصب للدين، ويقول رسولنا المصطفى في هذا في رده على أحد الأعراب: "إن الدين هو حُسْن الخُلُق"، ويقول عليه الصلاة والسلام: "إنما بُـعِـثتُ لأُتمم مكارم الأخلاق"..
في قارة آسيا التي ننتمي إليها هناك مليارات من البشر غالبيتهم لا يدينون بأي دين، لكنهم ملتزمون بقِـيَم العدل، والخير، والأخلاق، ولهذا نجدهم متعايشين ويقدّسون العيش المشترَك رغم تعدُّد انتمائهم الإثنِي والعِرقي والقومي واللغوي والديني، لكنهم عائشون في كنف دول تعاملهم كمواطنين متساوين، وفي قوانينها بحقوقهم وواجباتهم، وهو ما لم نجده في كنف دول تزعم انتماءها الواحد عِرقياً ودينياً ولغوياً وحضارياً، وكأن المفترَض أن تقدم هذه الدول العربية والإسلامية النموذج الحضاري الأرقى الذي سبق وقدَّمه العرب والمسلمون في صدر الإسلام وفي مراحل تاريخية مشهود لها بالتعايش قبل أن يبرز "دُعاة الإسلام السياسي" الذين يسعون لأن يجعلوا أنفسهم وكلاء لله على عباده، بل هناك تيارات دينية جعلت من نفسها بديلة عن الله سبحانه وتعالى وتزعم أنها تعمل على توحيد البشرية تحت راية الإسلام، وهو فِعل لم يقم به الخالق سبحانه وتعالى.
|