محمد علي اللوزي - مقدمة: إشكالية بناء الدولة في سياق مجتمع مأزوم
تمثّل إشكالية بناء الدولة في اليمن أحد أعقد الموضوعات التي واجهت النخبة اليمنية منذ مطلع القرن العشرين وحتى اللحظة الراهنة.. فكل تجربة سياسية – من الإمامة إلى الجمهوريتين، ومن الوحدة إلى الصراعات المعاصرة – انتهت إلى نتيجة واحدة: هشاشة البنية المؤسسية للدولة وعجزها عن التحول إلى كيان جامع يحتكم إليه الجميع..
لقد تكرّرت مشاريع "الإنقاذ الوطني" تحت عناوين مختلفة: اتفاق السلم والشراكة، الفيدرالية، مخرجات الحوار الوطني، لكنها جميعاً فشلت لأنها لم تنطلق من الواقع الاجتماعي اليمني، بل فُرضت عليه من فوق، أو من الخارج، أو من غرف الفنادق والصفقات السياسية..
من هنا تأتي هذه الرؤية الأولية كمحاولة فكرية لاجتراح مسار وطني عقلاني لبناء الدولة، بعيداً عن المحاصصة والمذهبية والأدلجة..
أولاً: نقد التجارب السياسية الحديثة
إنّ أخطر ما واجهته اليمن خلال العقدين الأخيرين هو إسقاط نماذج سياسية جاهزة على واقع لم يُهَيّأ بعد لتلقّيها؛ فالفيدرالية، على سبيل المثال، ليست مجرد تقسيم إداري، بل منظومة ثقافية وقانونية واقتصادية معقدة، لا يمكن زرعها في بيئة يغلب عليها الطابع القبلي والأمّيّة السياسية..
كما أنّ اتفاق السلم والشراكة ومخرجات الحوار الوطني جاءت بآليات طموحة لكنها مثالية، لأنها افترضت وجود مجتمع سياسي ناضج ومؤسسات مستقرة، في حين أن الواقع كان مغايرًا تماماً..
أما المحاصصة فكانت الجريمة السياسية الأكبر، لأنها أعادت إنتاج النظام القديم تحت أسماء جديدة، فحوّلت السلطة إلى كعكة تتقاسمها القوى، وألغت فكرة الدولة لصالح الغلبة والنفوذ..
ثانياً: المجتمع اليمني وبُـنْية الوعي الجمعي
لا يمكن الحديث عن بناء الدولة دون تحليل بنية المجتمع..
فالمجتمع اليمني ما زال أسير البنى التقليدية: القبيلة، المذهب، الجهة، والعائلة، وهي بُنى أقوى من مؤسسات الدولة نفسها..
تنتشر الأمية، ويغيب التعليم المدني، بينما تتكاثر الولاءات الفرعية التي تضعف مفهوم "المواطَنة"..
إنّ من يظن أن بالإمكان بناء دولة حديثة بمعزل عن إعادة تشكيل الوعي الجمعي واختراق هذه البُـنى التاريخية، يقع في الوهم ذاته الذي وقعت فيه كل التجارب السابقة..
فالدولة ليست جدراناً ولا وزارات، بل هي ثقافة مشترَكة وقِـيَم جمعية تسبق المؤسسات وتشرعن وجودها..
ثالثاً: الحاجة إلى تَعايُش وطني أصيل
لقد أرهق البلاد منطق الإقصاء المتبادَل الذي تمارسه القوى السياسية والدينية والمناطقية على حد سواء.. ولا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح ما لم يؤسَّس على تعايُش حقيقي يقرّ بالتعدُّد، ويُخرج اليمنيين من منطق الغلَبة إلى منطق الشراكة..
فالشراكة الوطنية ليست صفقة مصالح، بل هي عقد اجتماعي جديد يضمن العدالة والمساواة، ويمنح الجميع الحق في التمثيل والمشاركة، لا على أساس الهوية الفرعية، بل على أساس الكفاءة والانتماء للوطن..
وذلك يتطلب تفكيكاً واعياً لثقافة الثأر، ومعالجة جذرية لجِراح الماضي عبر عدالة انتقالية حقيقية، لا شعارات تُرفع في المؤتمرات ثم تُنسى..
رابعاً: الدولة كمؤسسة قانونية لا كغنيمة سلطوية
إنّ جوهر الأزمة اليمنية هو غياب الدولة بوصفها كياناً فوق الأفراد والجماعات..
لقد تحولت الدولة إلى غنيمة، يتقاسمها المتصارعون باسم الثورة، أو الدين، أو الجهة، أو الحزب..
بينما الدولة الحديثة لا تقوم على من يحكم، بل على كيف يُحكم..
والمعيار هنا هو الاحتكام إلى الدستور والقانون، لا إلى العصبية أو الزعامة..
لا يهمّ إنْ جاء الحاكم من قرية أو مدينة أو مذهب معيَّن، المهم أن يخضع للقانون وأن يعمل في إطار مؤسسات لا أشخاص..
وهذا التحوُّل من "شخصنة السلطة" إلى "مأسسة الدولة" هو جوهر الإصلاح السياسي المنشود..
خامساً: نقد الرومانسية السياسية
كثيرٌ من النخب اليمنية تتحدث بلغة برَّاقة عن "الدولة المدنية الحديثة"، لكنها تغفل عن واقع التخلّف الذي يعيق تحقُّـقها..
هذه الرومانسية السياسية تُنتج خطاباً مثالياً يُرضي المثقفين لكنه لا يخاطب الناس ولا يتصل بحاجاتهم..
فالدولة المدنية لا تُبنى بالنوايا الطيبة، بل بتفكيك البنية التقليدية، وتغيير أنماط الوعي، وخلق ثقافة قانونية ومؤسساتية..
ولذلك، فإن أي مشروع وطني لا يشتغل على إصلاح التعليم، وتحرير الإعلام، وتعزيز الوعي النقدي سيبقى كلاماً في الهواء مهما حَسُنتْ صياغته..
سادساً: ضرورة إعادة توصيف المشكلات لا تدويرها
لقد تعوَّد الخطاب السياسي في اليمن على تدوير الأزمات لا حلها، وعلى تبديل الشعارات لا الواقع..
ولذلك فإن أول خطوة في طريق بناء الدولة هي تشخيص دقيق لجذر المشكلات:
منذ الانقسام الاجتماعي، إلى سوء توزيع الثروة، إلى غياب العدالة، إلى تسييس الدين..
ولا يمكن معالجة هذه القضايا إلا بمنهج علمي يعتمد على الدراسات السوسيولوجية والسيكولوجية للمجتمع اليمني، لفهم بُنيته ونفسيته، واستيعاب دوافعه التاريخية والاجتماعية..
فأي إصلاح لا يستند إلى معرفة علمية بالبنية الاجتماعية، سيبقى مجرد رتقٍ في ثوبٍ ممزق..
سابعاً: نحو مشروع وطني جامع
ما نحتاجه ليس مؤتمرات حوار جديدة، بل مشروع وطني جامع يعيد تعريف معنى الدولة..
مشروع يؤمن بأنّ الدولة ليست حَكَماً في الصراعات، بل إطاراً لوجود الجميع..
هذا المشروع يبدأ من إرادة النخب الواعية التي ترفض الاستلاب السياسي، وتشتغل بوعيٍ وطني لا بتمويل خارجي، وتؤمن بالتعدد كشرط للسلام لا كخطرٍ عليه..
كما يجب أن يستند إلى إصلاح مؤسسي شامل في القضاء، والتعليم، والإدارة، والاقتصاد، بحيث تصبح الدولة سلطة قانون لا سلطة قهر..
ثامناً: دور النخب الثقافية والمعرفية
تقع على النخب الثقافية والأكاديمية مسئولية كبرى في بلورة الرؤية الفكرية لبناء الدولة..
فلا يمكن ترك الساحة للفاسدين والجهلة ليتحدثوا باسم الوطن..
على المثقفين أن ينزلوا من أبراجهم النظرية إلى واقع الناس، وأن يقدموا رؤى علمية مدروسة تستند إلى تحليل واقعي، لا إلى انتماء حزبي أو ديني..
إنّ المطلوب اليوم هو وعي نقدي جديد يتجاوز المرجعيات القاهرة، ويؤمن بالتثاقف والحوار كقيمة سياسية وأخلاقية..
خاتمة: بين الممكن والمأمول
لسنا بحاجة إلى شعارات جديدة، بقدر ما نحن بحاجة إلى إعادة تأسيس المفهوم نفسه للدولة..
دولة لا تُختزل في الأشخاص أو الجماعات، بل تُبنى على المواطَنة والعدالة والقانون..
وإذا لم ندرك أن التغيير يبدأ من داخلنا – من وعينا الجمعي ومن قدرتنا على نقد أنفسنا – فسنظل ندور في حلقة مفرغة من الفوضى والتجريب..
إنّ مستقبل اليمن مرهون بقدرتنا على تجاوز العصبيات، وعلى إعلاء مبدأ المسئولية المشترَكة في بناء وطنٍ يُشبه أحلام أبنائه، لا كوابيس ماضيه..
ويبقى السؤال الجوهري مفتوحاً أمام النخبة والمجتمع معاً:
هل نملك الشجاعة لصناعة المعنى الحقيقي لمفهوم الدولة؟..
أم سنظل أسرى القوى التقليدية التي نهبت الحاضر وقتلت المستقبل؟!
|