أحمد سود هفج - ستةٌ وستون عاماً إلا قليلاً، واليمن لا يزال يردد أنشودته الكبرى: "26 سبتمبر"..
ثورةٌ لم تكن خياراً عابراً أو نزوة طارئة، بل ضرورةً تاريخية، انبثقت من رحم معاناة طويلة، لتضع اليمنيين على جادة الحضارة، ولتنقل وطنهم من عتمة القرون إلى فجر القرن العشرين، حيث ينهض الأحرار لإزاحة كابوس الإمامة والكهنوت، ويعلنون أن اليمن يستحق مكانه اللائق بين الأمم..
ثورة 26 سبتمبر لم تكن ثورة جغرافيا محدودة ولا طبقة بعينها، بل ثورة كل اليمنيين، جنوباً وشمالاً، شرقاً وغرباً، رجالاً ونساءً، مدنيين وعسكريين، فلاحين ومثقفين.. كانت ـ وما زالت ـ الحلم الجامع، والراية التي لا تعرف الانقسام، والملاذ الأخير في زمن التمزق والتناحر..
لكن، ونحن نقف أمام الذكرى الثالثة والستين، لا بد أن نفتح أعيننا على الحقيقة: أعداء الأمس واليوم لم يتركوا اليمن في حاله..
حاولوا مراراً، وما زالوا، أن ينالوا من ثورته وجمهوريته ووحدته وسيادته، بأدوات شتى؛
ومرةً بالتحريض والصراعات المناطقية والمذهبية والحزبية، حتى غدا اليمن ساحةً مفتوحةً لأطماع الخارج وتصفية الحسابات..
إن ثورتي سبتمبر وأكتوبر لم تُخلقَا لتكونا شعارات تُرفع وقت الحاجة، أو لافتاتٍ موسمية في صراع المصالح الضيقة.. هاتان الثورتان أكبر من كل الأحزاب، أوسع من كل المناطق، وأخلد من كل المشاريع الصغيرة التي تحاول أن تختطفهما..
إنهما روح وطن بأسره، وتاريخ أمة كاملة، ومشروعٌ تحرري إنساني لا يحدّه زمن ولا يُستهلَك في متاهات المكايدات..
63 عاماً من عمر الثورة لم تكن مفروشة بالورود، فقد رافقتها صعوبات وتعقيدات وأخطاء، وهذا طبيعي في مسار أي حركة تاريخية كبرى؛ غير أن الحكم العادل عليها يظل للتاريخ، أما نحن، فعلينا أن ندرك الدرس ونُكمل المشوار..
اليوم، ونحن نرى الفِتن والصراعات والحروب البينية تمزّق أوصالنا، وتحوّلنا إلى أهداف سهلة للقوى الاستعمارية وعلى رأسها الكيان الصهيوني، علينا أن نسأل أنفسنا : إلى أين نمضي؟.. إننا بالفعل أمام مفترق طرق، والخيار ـ كما قالها التاريخ غير مرة ـ إما أن نكون أو لا نكون..
ولن نكون إلا إذا استعدنا روح سبتمبر وأكتوبر، لا كشعار يُرفَع، بل كعهد وميثاق..
لن نكون إلا إذا جلس اليمنيون جميعاً، دون استثناء، على طاولة الحوار، حاملين هَمّ الوطن لا هموم الكراسي والمناصب..
لن نكون إلا إذا استطعنا أن نرتفع فوق الجِراح والخصومات، وأن نجتمع على قواسم مشترَكة، تؤمن بأن اليمن للجميع، وأن حاضرنا ومستقبلنا أكبر من كل خلاف..
يا أبناء اليمن، لقد دفع الأحرار الأوائل حياتهم ثمناً للحرية، ونحن اليوم مطالبون بأن ندفع من أنانيتنا ومصالحنا ثمناً لبقاء الوطن..
فلتكن هذه الذكرى الثالثة والستون محطة صادقة للتأمل وإعادة قراءة التاريخ، ليس بكاءً على الأطلال، بل استعداداً لصناعة مستقبلٍ يليق بشهداء الثورة، ويليق باليمن، ويليق بنا كبشرٍ وُلِـدنا لنكون أحراراً، لا عبيداً..
سلام على سبتمبر، وسلام على أكتوبر، وسلام على كل قلب يمني ما زال يؤمن بأن الحرية قَدَرٌ لا يُلغى، وأن الجمهورية قدرٌ لا يُكسَر، وأن اليمن ـ مهما طال ليله ـ لا بد أن يُولد من جديد.
|