مبارك حزام العسالي - في مثل هذه الأيام من عام 1962م، لم يكن اليمنيون على موعد عابر مع التاريخ، بل كانوا على موعد مع فجر جديد أنهى عصور الظلام، وأسقط حكم السلالة والرجعية والوصاية والتبعية، وأطلق مسيرة الحرية والعدالة والكرامة.. لقد كان السادس والعشرون من سبتمبر ثورة إنسان، ثورة شعب، وثورة أمة بكاملها..
▪︎من عصور الظلام إلى فجر الحرية
عاشت اليمن، قبل سبتمبر، عقوداً بل قرونًا من حكم رجعي متخلّف، حوّل الوطن إلى سجن كبير، وأبقى الشعب رهين الجهل والفقر والمرض؛ لم يكن المواطن يمتلك حقه في التعليم ولا في التعبير ولا حتى في اختيار مصيره.. كانت الأرض رهينة بيد قلة، والعقول مقموعة، والآفاق مسدودة؛ لكن إرادة الحرية كانت تتشكل في وجدان اليمنيين، فانبثقت حركة الأحرار منذ أربعينيات القرن الماضي، واشتعلت ثورات ومحاولات متعددة، حتى نضجت اللحظة التاريخية وجاءت سبتمبر لتعلن القطيعة مع الماضي المظلم..
▪︎ثورة ليست ككل الثورات
ثورة 26 سبتمبر لم تكن انقلاباً محدوداً أو نزوة عسكرية عابرة، بل كانت تعبيراً صادقاً عن إرادة الشعب اليمني في التحرر من حكم الفرد والوصاية والسلالة؛ كانت مشروعًا وطنياً متكاملاً جسَّدته مبادئها الستة الشهيرة:
1- ﺍﻟﺘﺤﺮﺭ ﻣﻦ ﺍﻻﺳﺘﺒﺪﺍﺩ ﻭﺍﻻﺳﺘﻌﻤﺎﺭ ﻭﻣﺨﻠﻔﺎﺗﻬﺎ ﻭﺇﻗﺎﻣﺔ ﺣﻜﻢ ﺟﻤﻬﻮﺭﻱ ﻋﺎﺩﻝ ﻭﺇﺯﺍﻟﺔ ﺍﻟﻔﻮﺍﺭﻕ ﻭﺍﻻﻣﺘﻴﺎﺯﺍﺕ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻄﺒﻘﺎﺕ..
2- ﺑﻨﺎﺀ ﺟﻴﺶ ﻭﻃﻨﻲ ﻗﻮﻱ ﻟﺤﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﺒﻼﺩ ﻭﺣﺮﺍﺳﺔ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ ﻭﻣﻜﺎﺳﺒﻬﺎ..
3- ﺭﻓﻊ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﺸﻌﺐ اﻗﺘﺼﺎﺩياً ﻭاﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺎً ﻭﺳﻴﺎﺳﻴﺎً ﻭﺛﻘﺎﻓﻴﺎً..
4- ﺇﻧﺸﺎﺀ ﻣﺠﺘﻤﻊ ﺩﻳﻤﻘﺮﺍﻃﻲ ﺗﻌﺎﻭﻧﻲ ﻋﺎﺩﻝ ﻣﺴﺘﻤﺪ ﺃﻧﻈﻤﺘﻪ ﻣﻦ ﺭﻭﺡ ﺍﻻﺳﻼﻡ ﺍﻟﺤﻨﻴﻒ..
5- ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﻮﺣﺪﺓ ﺍﻟﻮﻃﻨﻴﺔ ﻓﻲ ﻧﻄﺎﻕ ﺍﻟﻮﺣﺪﺓ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺍﻟﺸﺎﻣﻠﺔ..
6- اﺣﺘﺮﺍﻡ ﻣﻮﺍﺛﻴﻖ الأﻣﻢ ﺍﻟﻤﺘﺤﺪﺓ ﻭﺍﻟﻤﻨﻈﻤﺎﺕ ﺍﻟﺪﻭﻟﻴﺔ، ﻭﺍﻟﺘﻤﺴﻚ ﺑﻤﺒﺪﺃ ﺍﻟﺤﻴﺎﺩ ﺍﻻﻳﺠﺎﺑﻲ ﻭﻋﺪﻡ ﺍﻻﻧﺤﻴﺎﺯ، ﻭﺍﻟﻌﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﺇﻗﺮﺍﺭ ﺍﻟﺴﻼﻡ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻲ، ﻭﺗﺪﻋﻴﻢ ﻣﺒﺪﺃ ﺍﻟﺘﻌﺎﻳﺶ ﺍﻟﺴﻠﻤﻲ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﻣﻢ.
هذه المبادئ لم تُـكتب في الكتب فقط، بل رُويت بدماء الشهداء وصمود الأحرار..
▪︎التضحيات.. روح الثورة الحية
لقد سالت دماء كثيرة في سبيل الحرية.. لم يكن الطريق إلى الجمهورية مفروشاً بالورود، بل مفروشاً بجماجم الأبطال الذين ارتضوا أن يكونوا جسورًا لعبور الأمة نحو الغد؛ من ساحة المعارك إلى زنازن السجون، ومن المنافي إلى الجبال، وقف الرعيل الأول من الأحرار وقفة تاريخية لن ينساها اليمنيون..
إن استذكار تلك التضحيات اليوم ليس عاطفة تاريخية، بل هو وعي وطني متجدد يذكّرنا بأن كل مكتسب لا يُحمى بالتضحيات سرعان ما يصبح عُرضةً للنهب والالتفاف..
▪︎الدلالات الوطنية العميقة
إن أعظم ما حملته ثورة سبتمبر هو إعادة الاعتبار للشعب اليمني كفاعل للتاريخ، بعد أن جُرّد طويلاً من حقه في تقرير مصيره.. لقد نقلت اليمن من حكم السلالة إلى حكم الشعب، من الجهل إلى التعليم، ومن العزلة إلى الانفتاح على العالم..
إنها لم تغيّر نظاماً سياسياً فحسب، بل غيّرت معادلة الوعي، وحفرت في الذاكرة الوطنية حقيقة أن الشعب هو مصدر الشرعية والسيادة..
▪︎البُـعد القومي والإقليمي
لم تكن ثورة سبتمبر حدثاً يمنياً محضاً، بل كانت جزءاً من المدّ القومي العربي في زمن التحرر من الاستعمار؛ لقد التقت مع ثورات الجزائر ومصر والعراق وسوريا، وكانت حلقة في مشروع نهضة الأمة.. ولهذا وجدت دعماً عربياً واسعاً، لأن انتصارها كان انتصاراً للعروبة جمعاء.
واليوم، في ظل مشاريع الهيمنة الإقليمية والدولية، نستعيد ذلك البعد القومي لنؤكد أن سبتمبر لم يكن صرخة محلية فقط، بل رسالة أمة تقول: "الحرية قدر لا يُشترى، والسيادة حق لا يُنتزع إلا بالإرادة"..
▪︎محاولات الالتفاف على الثورة
منذ انتصار سبتمبر، حاولت قوى الرجعية الداخلية والخارجية إجهاضها أو الالتفاف على أهدافها.. حُوصِرت الثورة بحروب داخلية، وتآمر خارجي، وخيانات داخل الصف الوطني؛ واليوم، بعد أكثر من ستة عقود، تعود هذه القوى بثياب جديدة، تحاول إعادة إنتاج الاستبداد والوصاية على الشعب تحت شعارات دينية أو سياسية أو عِرقية..
لكن التاريخ علَّمنا أن أي محاولة للارتداد إلى الوراء مصيرها الفشل، لأن سبتمبر لم يكن مجرد حدث، بل أصبح هوية ووعياً جمعياً لا يمكن محوه..
▪︎أهمية الاحتفاء بالثورة اليوم
الاحتفاء بذكرى سبتمبر ليس مجرد رفع أعلام أو تنظيم مهرجانات، بل هو فعل مقاومة وتجديد للعهد؛ هو إعلان ولاء لله ثم الوطن والثورة والجمهورية، وإصرار على حماية مكتسباتها، وتذكير للأجيال الجديدة أن الحرية لم تُمنح هدية، بل انتُزعت بتضحيات جِسام..
إن الاحتفاء الحقيقي هو في استلهام مبادئها في حياتنا اليومية: في بناء الدولة، في مكافحة الفساد، في نشر التعليم، وفي تعزيز الوحدة الوطنية..
▪︎رسالة للأجيال الجديدة
إن أجيال اليوم، التي لم تعِشْ ليل ما قبل سبتمبر، قد تُخدع أحياناً ببريق الشعارات الرجعية؛ وهنا تكمن مسئولية الوعي الوطني: أن نروي لهم الحقيقة كاملةً، أن نُعرّفهم بما عاناه أجدادهم من استبداد، وبما بذله الأحرار من دماء حتى يعيشوا أحراراً..
إن سبتمبر ليس مجرد ذكرى، بل هو درس يومي يتجدد: أن الحرية لا تُصان إلا بالوعي والالتزام والتضحية..
▪︎بين الماضي والحاضر والمستقبل
- سبتمبر الماضي منحنا الجمهورية.
- سبتمبر الحاضر يطالبنا بحمايتها.
- وسبتمبر المستقبل يراهن علينا لنحوّل مبادئها إلى واقع متجدّد..
إذا كانت الثورة قد أسقطت حكم الرجعية والوصاية بالأمس، فإن دورنا اليوم هو إسقاط الفساد، هزيمة التبعية، ومواجهة كل مشاريع الوصاية الجديدة..
ختاماً.. في الذكرى الثالثة والستين لثورة السادس والعشرين من سبتمبر، نقول لكل قوى الرجعية التي حاربت الثورة بالأمس وتحاول طمسها اليوم: إن اليمن الذي كسر قيود الماضي لن يقبل اليوم بعودة القيود مهما ارتدَت من أقنعة ومهما تنكرت بأسماء جديدة..
إنها ليست ذكرى عابرة، بل بوصلة أمة، وروح وطن، وصوت حرية يتجدد جيلاً بعد جيل؛ سبتمبر هو اليمن، واليمن هو سبتمبر، وما دامت دماء الأحرار تجري في عروقنا فلن تنكسر الجمهورية، ولن تموت الذاكرة..وسبتمبر مجيد.
|