إبراهيم ناصر الجرفي - مَنْ يتفكر في التشريعات والأحكام التي جاءت بها الأديان السماوية، وفي الأفكار التي جاد بها العقل البشري خلال تاريخه الطويل على كوكب الأرض، سوف يلاحظ على الفور أن الهدف والغاية النهائية لها جميعاً هي صناعة إنسان إيجابي، إنسان قادر على العطاء والإبداع والتفاعل الخلَّاق، إنسان يحب الخير للجميع ويعمل من أجل بناء مجتمع إنساني مثالي وفاضل، مجتمع ينعم الجميع بالحياة الإيجابية والكريمة في كنفه وتحت ظلاله، وبذلك فإن صناعة الإنسان المثالي والفاضل والإيجابي هي الغاية القصوى والعظمى في كل زمان ومكان، وبدون شك أن كل إنسان يرجو الوصول إلى المثالية والإيجابية، ويبذل في سبيل ذلك كل جهده وطاقته، ولكن الظروف والبيئة المحيطة والأفكار السائدة يكون لها دور كبير في تغيير مساره، فقد تذهب به بعيداً في الاتجاه السلبي المعاكس وهو يظن ويعتقد أنه يسير في الطريق الصحيح ..!!
كيف لا وهناك الكثير من التشريعات الدينية العظيمة التي يتم تفسيرها وتحويرها واختزالها بعيداً عن معانيها الحقيقية السامية والإيجابية، لتتحول نتيجة ذلك إلى مناهج وتشريعات تشجّع على الكراهية والعدوانية والسلبية..
إن التفسيرات المتشنّجة والمنفعلة للتشريعات السماوية تحت تأثير التعصب والمصلحة والهوى، هي مصدر كل الشرور، وهي الطريق نحو صناعة الإنسان السلبي والعدواني.. وهل هناك فاجعة ومصيبة أكبر من ارتكاب الإنسان المعاصي والآثام والجرائم والإرهاب والتطرف، وهو يظن أنه يُحسِن صُنعاً، حتماً لا توجد مصيبة ولا كارثة يمكن أن تعادل هكذا كارثة ومصيبة.. وهل كل الكوارث والجرائم الفظيعة التي حدثت وتحدث وستحدث في حياة البشر إلا النتيجة الطبيعية لهكذا بيئات وهكذا أفكار تجعل من الكراهية والعدوانية والسلبية منهجاً ودِيناً وفِكراً تتفاخر به وتمجّده وتعظّمه.. وكيف يمكن صناعة إنسان إيجابي ومثالي يرى في كراهية الآخرين وقتلهم وسفك دمائهم ونهب أموالهم واستباحة أعراضهم منهجاً وديناً وغايةً وهدفاً.. كيف يمكن صناعة إنسان إيجابي ومثالي في بيئات ومجتمعات تمجّد السلبية والعدائية والكراهية وتعظّمها وتتفاخر بها، وتجعل من رُوادها عظماء وقادة ؟!!
ويؤسفني أن أقول بأن مفهوم الإيجابية والمثالية قد تعرَّض للتحريف في كثير من المجتمعات البشرية عبر التاريخ، لدواعٍ نفعية ومصلحية على المستوى الفردي والجمعي، والدليل على ذلك تلك الروايات والبطولات وصولاً إلى هالات القداسة التي تُحاط بقادة الحروب في كل عصر وزمان، بل إن التاريخ يقف طويلاً وهو يمجّد معاركهم وحروبهم، متناسياً الكم الهائل من الخسائر البشرية وجرائم الحرب المروعة التي مارسوها وارتكبوها خلال انتصاراتهم وأمجادهم المزعومة التي حصلت نتيجة قتل مئات الآلاف من البشر بذرائع وحجج واهية قد تكون دينية وقومية ووطنية ومذهبية وطائفية، ولكن ورغم كل ذلك تظل الايجابية ايجابية والمثالية مثالية، فحقن الدماء والحفاظ على أرواح البشر إيجابية ومثالية في كل زمان ومكان، وتظل السلبية سلبية مهما حاول البعض تزيينها وتغليفها بغلافات دينية أو قومية أو وطنية، فسفك الدماء والمقامرة بأرواح الآخرين وإزهاقها وإعلان الحروب ورفض السلام هو السلبية بعينها وذاتها وصِفتها.. قال تعالى: ((من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً)) ..
والإنسان الإيجابي في كل زمان ومكان هو الداعي للسلام وللتعايش السلمي، وهو الإنسان الذي يقبل بالتنوع والتعدد الديني والفكري والسياسي والاجتماعي، والإنسان الإيجابي هو بدون شك الإنسان المتحرر من كل صور التعصب والتطرف والتشدد والغلو والإرهاب الفكري والسياسي والاجتماعي والعقائدي، وهو بدون شك الإنسان الذي ينظر لأخيه الإنسان نظرة إيجابية بصفته إنساناً، بغض النظر عن الاختلاف الفكري والسياسي، وبذلك فالإنسانية هي المعنى العام والشامل للإيجابية والمثالية، فكلما كان الضمير الإنساني حياً ومتفاعلاً ومستشعراً حقوق وحريات وكرامات الآخرين كلما كان الإنسان أكثر قُرباً من الإيجابية، والعكس صحيح. |