مدين ياسين - في الركن الجنوبي من جزيرة العرب، ثمة وطن اسمه اليمن، قديمٌ كالنجم، عريقٌ كالسنبلة، تُكفِّنُه الجراح لكنه لا يموت، وتنهشه الحروب لكنه لا يركع. وطنٌ يئنّ، لا لأن الأرض ضاقت، بل لأن الرجال الكبار قلّوا، والقلوب العظيمة نامت.
واليوم، في مفترق طرق المصير، يُطلّ الحنين من أعماق الذاكرة، يفتش عن رجلٍ من طرازٍ فريد، عن فارسٍ يشبه يوسف بن تاشفين.
يوسف بن تاشفين… حين كان الملوك رهبانًا
كان يوسف بن تاشفين، كما وصفه الذهبي، “أميرًا عادلاً، زاهدًا في الدنيا، شديدًا في الحق، نصيرًا للإسلام”.
جاء من أعماق الصحراء، لا يملك من زينة الدنيا شيئًا، لكن قلبه كان أثقل من الجبال تقوىً ويقينًا.
لما استغاثت به الأندلس، لم يقل: ما لي ولهم؟ بل قال كما قال سيدنا موسى:
“رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ” [القصص: 17]
عبر الصحراء كما يعبر العاشق المحموم لهيب الشوق، لا رغبةً في توسعة ملك، بل نجدةً لأمة أوشك الهلال فيها أن يُغمد في غمد الصليب.
واليمن… تنتظر نبيلاً يشبه يوسف
اليمن اليوم لا تنادي زعيمًا، بل تستنهض رجلاً من زمنٍ آخر. من زمنٍ كان الملوك فيه رهبانًا في الخفاء، وأسودًا في الميدان.
تنتظر رجلًا:
• يُصلّي قبل أن يُخطط،
• ويجمع الناس قبل أن يُفاوِض،
• ويزرع العدل قبل أن يرفع الراية.
فقد قال عبد الملك بن مروان:
“الناس جندُ من غلب”،
لكنّ أهل اليمن تعبوا من الغالبين، وأصبحوا جندَ من يعدل، وجندَ من يرحم، وجندَ من لا يخون.
ما أشبه الليلة بالبارحة…
كما تمزقت الأندلس من الداخل، وغرقت في التناحر، ووهنت شوكة الدين تحت نزاعات الطوائف، تُعاد الكرّة اليوم في اليمن:
فِرَقٌ تتناحر، ومصالح تتقاطع، وخارجٌ يتربّص، وداخلٌ لا يرتدع.
وكأن لسان حال اليمن يقول:
“أضاعوني وأي فتى أضاعوا… ليوم كريهةٍ وسداد ثغرِ”
– عنترة بن شداد
أضاعوا المجد، وأضاعوا فرصة النجاة، وأضاعوا العدل الذي ما إن وُجِدَ… استقامت الدنيا.
من أنت أيها المنتظر؟
يا من ننتظر،
لسنا نطلبك في جحافل الجيوش، ولا في قاعات السياسة، بل نرجوك في سكون الليل، بين يدي الله، تسجد وتبكي وتقول: اللهم اجعلني لهم عونًا لا عبئًا.
فإن كنت تسمع أنين المظلوم، وتقرأ صمت الأرامل، وتُبصر الذل في أعين الأطفال… فاعلم أن اليمن تناديك.
وكما قال أبو الطيب المتنبي:
“إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ… فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ”
خاتمة: يا رب، أين يوسف هذا الزمان؟
اللهم كما بعثت يوسف بن تاشفين ليكون سيفًا في وجه الفتنة، فابعث لليمن من يُشبهه قلبًا، وسيرةً، ونقاءً.
ابعثه لا ليملك، بل ليُصلح،
لا ليُطاع، بل ليُسمع منه صوت الحق.
“بلدة طيبة وربٌ غفور” – [سبأ: 15]
فيا أيها البعيد القريب…
إن كنت تسمع، فاقترب،
فإنّ اليمن ما زالت في الركن القصي من القلب… تنتظر يوسفها المنشود
|