أحمد طارش خرصان - لم يعد للمدينة صوت يحمل على كاهله مهمة إيصال أوجاعها إلى الهناك..
الهناك حيث السلطة التي كانت تتمتع بالقليل من الحياء والخجل..
لم يعد هناك من يجيد المغامرة.. لا لتحدّيهم ومقارعتهم، بل للبوح بهدوء والهمس بما نعيشه ونتجشم عناء حمله بين جوانحنا كعار لم نعد نتقن إهالة أستار العتمة عليه..
توقف قلب الراحل العظيم محمد علي الربادي وكأنه إعلان لا يقبل الإبهام أو الغموض عن وفاة مدينة، لم يعد بحوزتها ما يمكّنها من القفز على واقعها الرث وأزمنتها الكئيبة و البئيسة..
لا أحد يمكنه القفز على احتمالات وخيارات الذهاب نحو المجهول كرهينة، لن يسعفها الوقت لتدرك ما الذي ارتكبته؟، ولا الطريقة المثلى لتكون أكثر تأدباً في حضرة من لا نُدرك أي الطرق ستكون أنفع لنسلمَ الغياب، ونوفر عليهم مؤونة البحث عن أسباب وجيهة للتغييب والغوص في دهاليز الأزمنة التي لا بوابات لها ولا نوافذ..
أعوام كثيرة مرت.. لكنها أشعلت فينا الذكرى لرجل كان المدينة وعاشها شوارع.. أزقة.. وتفاصيل من حياة، منحها الربادي حياة مضاعفة، كلما شدّ قوسه وأطلق سهامه ثاقباً ذوات وانتفاخات الأنا لسلطة ساسة ومسؤولين، فيجردهم من الألقاب والنياشين والتوصيفات الزائفة، وكأنه - أي الربادي - نذر نفسه لتلك المهمة والمجازفة المتعبة..
ما الذي يمكننا أن نقوله لكم وقد أثبتم لأولئك الذي فروا وغادروا البلد، أنهم ظفروا بالخيار الصائب، كلما تناقلت الأسماع تَعامُلكم مع من آثروا البقاء، واضعين مصائرهم -كحال من بقي هنا- بين أيديكم، وبيقين من يؤمن بأن تراب الوطن وتفاصيله لَأثمن من كل ترف في المنفى وأشرف من كل منصب متخم بالجيوب المنتفخة والأوهام التي تتناسل أكاذيب ومواخير لحكايات، لن ندثرها بالنسيان..
كان يمكنكم المحافظة أو الحفاظ على عقلاء من لم يتخذ الهروب جسراً والنذالة طريقاً والكفر بالوطن منهجاً وسلوكاً..
ليكونوا البديل والخيار الأنجع لأولئك الذين اتخذوا المنافي والتشرد أوطاناً ..
الرحمة للمناضل الأستاذ محمد علي الربادي في الذكرى السنوية لرحيله..
عن مدينة ستظل بلا ربادي وبلاصوت.. وبلا خطيب
ينادي على بائع القات "هات أربع حبات وسجلهن".
|