د. عبد الوهاب الروحاني - الشعوب الحية التي تعلمت الديمقراطية ومارستها بوعي، وبنت مؤسساتها على قواعد النظام والقانون، لا تسمح للفوضى أن تدب أليها.. ولا تسمح لمن يقف على هرمها أن يتجاوز حدوده وصلاحياته.. وكله بالنظام والقانون.. وأقول لكم كيف؟!
نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية التي تابعناها الأسبوع الماضي (3 نوفمبر 2026) هي خطوة تقييم للإدارة المنتخبة (تنفيذية وتشريعية) خلال عامين من الأداء على النحو التالي:
¤ وفقا للدستور الأمريكي بعد عامين على الانتخابات العامة تجرى الانتخابات النصفية لكل أعضاء مجلس النواب (435)، الذين مدة عضويتهم لا تزيد عن سنتين، مش مثل أعضاء مجلس نوابنا العظام "مبلطين" 25 سنة على نخس واحد..!!
¤ وبنفس الآلية الديمقراطية تجرى أيضا انتخابات مجلس الشيوخ، ولكن جزئية وبمقدار (الثلث) من مجموع (100 عضو) يمثلون الولايات بالتساوي وبعضوين منتخبين عن كل ولاية، ولمدة ست سنوات.
في هذه الانتخابات النصفية يأتي دور الناخب الأمريكي ليصبح هو صاحب الكلمة الأولى، وصاحب القول الفصل:
¤ فإن وجد أن الرئيس وحزبه في المجلسين (الكونجرس) أوفوا بالوعود التي اطلقوها عند حملتهم الانتخابية عزز ثقته بهم، ومنح الحزب صلاحية مواصلة تنفيذ المهمة خلال السنتين المتبقية من ولاية الرئيس.
¤ أما إذا أخفق الرئيس وحزبه في تنفيذ البرنامج الذي انتخب على ضوئه فتتقلص الثقة به وبأعضاء حزبه، ويعمد الناخب الأمريكي إلى تقييده بسحب الثقة عن ممثليه في النواب والشيوخ ومنحها للحزب المعارض، الذي بدوره سيوقف التدهور والإخفاق في سياسة الرئيس..
والمسألة هنا لا تخضع للالتزام بمبادئ الانتماء والولاء للحزب على الصواب أو الخطأ، وإنما تخضع لمصلحة المجتمع والولاء الوطني؛ إذ تجد ببساطة أعضاء كبار من حزب الرئيس يصوتون للحزب المعارض، وهو ما حدث في الانتخابات الأمريكية الحالية.
فالمواطن الأمريكي لم يذعن بل لم يلتفت لعنصرية ترامب تجاه عبدول السيد، والهان عمر، ورشيدة طليب، وتنمره على الملونين والمهاجرين، ولم ينخدع برشاويه، ولا بأموال المؤسسة الصهيونية المؤثرة "ايباك"، وإنما تمسك بالديمقراطية التي تحميه تأسس النظام على قواعدها..
اربع نقاط للعودة:
الديمقراطية الأمريكية انتفضت ضد إدارة وإرادة ترامب، وضد أسلوبه في التعامل مع قضايا مست حياة الشعب اليومية؛ فكان تغيير العلاقة الأمريكية مع إسرائيل ووقف الحروب الخارجية هو مفتاح التعافي السياسي والاقتصادي الأمريكي في رأي الأمريكيين..
قال جيدي فانس (نائب الرئيس):
• من صوتوا لترامب 2024 صوتوا للديمقراطيين 2026، وكان السؤال هل سيعودون الينا؟ فحدد اربع نقاط للعودة:
• إنهاء الحروب الخارجية (عسكرية واقتصادية)
• تغيير نوعية العلاقة مع إسرائيل
• التركيز على تكاليف المعيشة
• وضع أمريكا أولا
نحن العرب غالبا نقول: إن ديمقراطية الأنظمة الغربية زائفة وغير حقيقية، وغير إنسانية، وهو كلام برأيي غير دقيق، ذلك لأن الديمقراطية التي يمارسونها ويدافعون عنها هي تخص شعوبهم، وهي لهم وحدهم، وليست لنا، ولا لأنظمة وشعوب العالم الآخر؛ وهم علنا يقولون:
"نحن ندافع عن مصالحنا، وإذا دافعنا عن الآخرين إنما في اطار حماية مصالحنا.."، فأمريكا في ظل الديمقراطيين أو الجمهوريين لم تهتم (مثلا) لحرب الإبادة في غزة بقدر اهتمامها ببقاء ربيتها إسرائيل.
ولم تهتم لديمقراطية فنزويلا عندما اعتقلت رئيسها نيكولاس مادورو في 3 يناير 2026، وإنما اهتمت لنفط فنزويلا وعائداته عليها، كذلك اهتمت ديمقراطية الرئيس ترامب وحزبه للعلاقة مع روسيا العظمى على حساب ديمقراطية بايدن وحزبه التي انتصرت ل"حرية" واختيار الشعب الأوكراني .
واذن هذه هي ديمقراطيتهم، هي ديمقراطية لا تحكمها الفوضى، وإنما تحكمها المصالح. ويحكمها النظام والقانون، لا تعترف بعصابة، ولا قبيلة، ولا عرق، ولا منطقة، ولا مذهب، ولا طائفة، ديمقراطية مصدرها الشعب أولا، ولا تعترف إلا بمصالحه وحقوقه.
فهلا فهتم المعنى؟!
|