د. طه حسين الهمداني - في مسيرة الصحافة اليمنية الوطنية، تبرز محطات استثنائية أسهمت في تشكيل الوعي العام، وواكبت التحولات السياسية والوطنية في مختلف منعطفات التاريخ المعاصر. وفي مقدمة هذه المحطات تأتي صحيفة «الميثاق»، التي تحتفي بذكرى تأسيسها الرابعة والأربعين، باعتبارها منبراً إعلامياً وسياسياً ارتبط بمسيرة المؤتمر الشعبي العام، وحمل على مدى أكثر من أربعة عقود رسالة فكرية ووطنية استندت إلى مبادئ الحوار والشراكة والتعددية.
منذ صدور عددها الأول، لم تكن «الميثاق» مجرد صحيفة لنقل الأخبار ومتابعة الأحداث، بل شكلت مساحة للتعبير عن الرؤية الفكرية والسياسية للمؤتمر الشعبي العام، واستلهمت في خطابها مبادئ الميثاق الوطني، تلك الوثيقة التاريخية التي صاغها اليمنيون من خلال عملية حوار واستفتاء شعبي واسعة في تاريخ اليمن الحديث.
وقد انطلقت الصحيفة من إيمان بمبادئ هذه الوثيقة، التي أكدت أن: «الحوار وسيلة وأسلوب لممارسة الحرية والديمقراطية في شتى مجالات الحياة، وهو الطريق الأمثل لحل كل الخلافات». كما استلهمت المبدأ القائل إن «الحوار الفكري المستمر هو الذي يكفل تقريب وجهات النظر والوصول إلى القواسم المشتركة».
ومن هذا المنطلق، ارتبطت رسالة الصحيفة بقيم الحوار والتوافق وقبول الآخر، باعتبارها ركائز أساسية لبناء الدولة ومعالجة الخلافات السياسية، في مواجهة خطابات الإقصاء والتعصب والتمزق، وما أفرزته الصراعات والحلول العسكرية من معاناة ودمار.
«الميثاق» ومسؤولية المرحلة الراهنة
تأتي الذكرى الرابعة والأربعون لتأسيس الصحيفة في ظروف استثنائية تمر بها اليمن، تفرض على وسائل الإعلام الوطنية مسؤوليات مضاعفة، وفي مقدمتها الإسهام في ترميم النسيج الاجتماعي والسياسي، وتعزيز فرص السلام واستعادة الدولة. ومن هنا تبرز أهمية مواصلة «الميثاق» رسالتها الوطنية من خلال عدد من المرتكزات:
• مواجهة خطابات الكراهية والانقسام: من خلال تبني خطاب وطني جامع، يرفض التطييف والتمزيق، ويعزز ثقافة التسامح وقبول الآخر، ويضع المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الحزبية والسياسية الضيقة، والحسابات المناطقية والمذهبية ، انطلاقاً من أن الوحدة الوطنية تمثل أساس قوة اليمن واستقراره.
• تعزيز ثقافة الحوار والتوافق:
بالتأكيد على أن الخروج من الأزمة اليمنية لا يمكن أن يتحقق بالقوة أو الإقصاء، وإنما عبر حوار يمني مسؤول، يستوعب مختلف القوى والمكونات الوطنية، ويستند إلى احترام النظام الجمهوري والوحدة الوطنية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس دستورية وقانونية.
• استشراف المستقبل وتقديم الرؤى:
من خلال فتح المجال أمام النقاشات الفكرية والسياسية الجادة، وتقديم المعالجات والرؤى التي تساعد على تجاوز الأزمة، وتؤكد أن لغة السلاح والإملاءات لا تصنع سلاماً مستداماً، وأن الحل السياسي الشامل يظل الطريق الأجدى لبناء مستقبل آمن ومستقر.
44 عاماً من الحضور.. ورسائل للمستقبل
إن استمرار صحيفة «الميثاق» طوال أربعة وأربعين عاماً يحمل دلالات تتجاوز عمرها الصحفي، ويعكس أهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه الإعلام الوطني في الحفاظ على الذاكرة السياسية، وصون المبادئ، ومواكبة التحولات. كما يضع أمام الصحيفة والقائمين عليها مسؤولية تطوير أدائها وخطابها بما يتناسب مع متطلبات المرحلة وتحديات المستقبل.
وفي هذا السياق، تبرز ثلاث رسائل أساسية:
أولاً: التمسك بالنهج الوسطي والمعتدل: من خلال تجديد الالتزام بمبادئ الميثاق الوطني، وتعزيز قيم الاعتدال والحوار والتعددية، والإسهام في بناء خطاب سياسي وإعلامي مسؤول يتجاوز الاستقطاب والانقسام.
ثانياً: الشراكة الوطنية ورفض الإقصاء: بتأكيد أن اليمن يتسع لجميع أبنائه، وأن تجاوز أزمته يتطلب مشاركة مختلف القوى الوطنية، بعيداً عن التهميش والاستعلاء، وبما يعزز الثقة المتبادلة ويؤسس لشراكة حقيقية في بناء المستقبل.
ثالثاً: الإعلام المسؤول في خدمة السلام: فالصحافة ليست مجرد ناقل للأحداث، بل شريك في تشكيل الوعي العام، وحماية الهوية الوطنية، وتعزيز قيم الحوار والتسامح، وفتح مساحات للنقاش المسؤول الذي يساعد على تقريب وجهات النظر وصناعة السلام.
وفاء للرعيل الأول وتقدير لجيل المسؤولية
وفي هذه المناسبة، لا يمكن الحديث عن مسيرة صحيفة «الميثاق» دون استحضار الدور الذي قام به الرعيل الأول من المؤسسين، ورؤساء التحرير المتعاقبين، والصحفيين والعاملين الذين أسهموا بإخلاص في انطلاقتها وتطوير أدائها وخطابها الإعلامي والسياسي عبر مراحل مختلفة.
إن بصمات هؤلاء جميعاً تظل حاضرة في ذاكرة الصحيفة وتاريخها؛ فمنهم من رحل عن دنيانا، نسأل الله أن يتغمدهم بواسع رحمته، ومنهم من لا يزال بيننا، حفظهم الله وأطال في أعمارهم، تقديراً لما قدموه من جهود وإسهامات تستحق الوفاء والاعتزاز.
كما نتوجه بالتحية والتقدير إلى هيئة التحرير والطاقم الصحفي والإداري الحالي، الذين يتحملون اليوم مسؤولية مواصلة هذه المسيرة في ظروف بالغة الصعوبة والتعقيد، ونأمل أن تكون هذه الذكرى محطة لتجديد العطاء، ومراجعة التجربة، وتطوير الأداء، وتعزيز حضور الصحيفة وتأثيرها في المشهد الوطني.
|