الميثاق نت -

الإثنين, 09-نوفمبر-2026
استطلاع / عبدالرحمن الشيباني -
رحلة كفاح طويلة خاضها اليمنيون في جنوب الوطن ضد الاستعمار البريطاني، تكللت بالاستقلال الناجز في الثلاثين من نوفمبر عام 1967م ومنذ ذلك اليوم، أصبح 30 نوفمبر رمزاً وطنياً للحرية والكرامة وحق الشعب اليمني في تقرير مصيره ورفض أي شكل من أشكال الوصاية والسيطرة الأجنبية.
واليوم، وبعد عقود من الاستقلال، تعود هذه الذكرى لتذكرنا بأن الاستقلال الحقيقي لا يكتمل بخروج المستعمر فقط، بل ببناء دولة قوية ذات سيادة، ومؤسسات فاعلة، وقرار وطني مستقل بعيداً عن أي ارتهان للخارج ، لذلك يجب على كل القوي الوطنية الحية، ان تستمد عنفوانها من هذا المنجز لتواصل رفض مشاريع التقسيم والتجزئه، التي انبرى البعض اليوم من يروج لهذه المشاريع الصغيرة تدعمه قوى إقليمية ودولية، بغية تحقيق أهدافها التي تتعارض مع المصلحة الوطنية العليا ،وتمس السيادة..
الحقيقة الماثلة أن هناك من يريد أن يحول هذه الذكرى لمحطة عابرة وإن كانت تستحضرها لاسقاط واجب ليس إلا، وفي الوقت نفسه يخفي مشروع آخر يناقض ما أراده المناضلين وسعوا لتحقيقه عبر عقود طويلة من الزمن ،ثوار أكتوبر الذين تخضبت جبال ردفان بدمائهم بالأمس جاء اليوم من يخون قضيتهم ووطنهم واستدعوا الاستعمار بثوبه الجديد ووصل الأمر ليصف احدهم أن سيطرة بريطانيا على عدن وجنوب اليمن سابقاً (التي استمرت 139 عاماً) بأنها لم تكن احتلالاً بل علاقة شراكة، ساهمت في ترسيخ النظام والقانون..
هكذا يبدو المشهد متناقضاً ومتجاوزاً كل الحدود، مصحوباً بوجع يدعو للرثاء والبكاء معاً ، غير أن 30 نوفمبر ونحن على اعتابه يبقى الألق متوشحاً ذكراه، ليس ذلك فقط، بل هو يوم الكرامة والحرية والانعتاق من براثن الاستعمار الذي غيب اليمنيين شمسه..
حول الذكرى الثلاثين من نوفمبر والتحديات التي تواجه اليمن بعد عقود من تحقيق الاستقلال كانت "الميثاق" كعادتها تواكب الأعياد الوطنية وتحتفي بها كالتزام اخلاقي ووطني ومهني..
عن ذلك يقول الكاتب الصحفي والإعلامي صلاح حيدرة إن ذكرى عيد الجلاء، الثلاثين من نوفمبر. تحل هذا العام، في ظل تصاعد التحديات التي تواجه اليمن على مستويات سياسية وسيادية متعددة؛ إذ تتكاثر المشاريع السياسية التي تحمل في طياتها أجندات خارجية تمسّ وحدة البلاد وسيادتها واستقلال قرارها الوطني.. لافتاً إلى أن الحرب مثّلت الثغرة التي تسلّل منها التدخل الأجنبي، لفرض موطئ قدم له في اليمن، ضمن صراع النفوذ الإقليمي والدولي بين القوى الكبرى والأنظمة التي تدور في فلكها..

صراع الأقطاب
في هذا السياق عاد المشروع التشطيري إلى الواجهة عبر المجلس الانتقالي الجنوبي، مستنداً إلى دعم خارجي، في محاولة لإحياء واقع سياسي تجاوزه الشعب اليمني بانتصار مشروع الوحدة.. كما شكّلت المحاولات الإماراتية للسيطرة على جزيرة سقطرى تهديداً مباشراً للسيادة الوطنية، وكشفت عن طبيعة الأطماع الخارجية في الجغرافيا اليمنية ومقدراتها..
حيدرة أكد على عدم إغفال دور بعض قوى الإسلام السياسي التي تستند إلى رؤى ومشاريع سياسية قاصرة، وتحاول، بوعي أو من دونه، فرض تصوراتها الخاصة، بما يسهم في تعقيد المشهد وتأزيم الأوضاع بدلاً من تقديم حلول وطنية جامعة، وتزداد خطورة هذه التحديات في ظل الوضع السياسي والقانوني المعقد الذي تعيشه البلاد، بدءاً من وضع اليمن تحت الفصل السابع، مروراً بتعدد السلطات والحكومات، بين حكومات تفتقر إلى الصلاحيات الفعلية وأخرى تفتقر إلى الاعتراف، الأمر الذي حوّل اليمن إلى ساحة مفتوحة لتضارب المصالح والصراعات متعددة الأقطاب..

جغرافية الصراع
إن التصعيد الجاري في المنطقة، وما يرافقه من تحالفات بحرية متكررة، يكشف بوضوح عن أهمية الموقع الجيوسياسي لليمن، ولا سيما مضيق باب المندب، باعتباره محوراً للتنافس الدولي ومحاولات فرض ترتيبات أمنية وعسكرية تسعى إلى تدويل البحر الأحمر وممراته الاستراتيجية، بما يجعل السيادة اليمنية على هذه الجغرافيا في صلب الصراع الدائر..
وأضاف حيدرة :" من هذا المنطلق، فإن ذكرى الاستقلال ينبغي ألا تكون مجرد استحضار لمحطة تاريخية تمثّلت في رحيل المستعمر، بل مناسبة لإعادة تعريف معركة الاستقلال في واقعنا الراهن؛ فالتحدي اليوم لا يقتصر على حماية الحدود، بل يمتد إلى صون القرار الوطني، ومنع الارتهان للخارج، والحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها على أرضها ومياهها ومقدراتها ..
وأشار حيدرة إلى أن هذه التحديات تفرض على القوى الوطنية الحية أن تجعل من استعادة السيادة والاستقلال أولوية تتقدم على الحسابات والمصالح الضيقة، وأن تدرك أن بناء الدولة الوطنية المستقلة لا يمكن أن يتحقق في ظل الانقسام والتبعية وتعدد المشاريع المتصارعة، وهذا يتطلب حلولاً سياسية ودبلوماسية جادة، تقوم على خارطة طريق وطنية تفضي إلى إنهاء حالة الصراع، واستعادة القرار الوطني، وإخراج اليمن من واقعه المأساوي نحو مرحلة جديدة قوامها الاستقرار والشراكة والسيادة..

ذكرى خالدة
وتحت عنوان نوفمبر بين ذكرى الاستقلال وتحديات استعادة السيادة ترى الدكتورة أحلام القباطي أن 30 نوفمبر يمثل محطة تاريخية مهمة في الذاكرة اليمنية، إذ ارتبط بإنهاء الاستعمار البريطاني لجنوب اليمن عام 1967م واستعادة السيادة الوطنية..
وأشارت إلى أن هذه الذكرى، بالنسبة لكثير من اليمنيين، تمثل رمزاً لحق الشعوب في تقرير مصيرها ورفض أي شكل من أشكال السيطرة الأجنبية..
وتكشف القباطي أنه بعد عقود من الاستقلال، تواجه اليمن تحديات معقدة، من أبرزها تراجع قدرة مؤسسات الدولة على بسط سلطتها على كامل أراضيها في ظل استمرار الانقسام السياسي والعسكري، وما نتج عنه من تعدد مراكز القوى ناهيك عن التدخلات الإقليمية والدولية التي أثرت في القرار اليمني بدرجات متفاوتة وما فاقم ذلك أيضاً الأزمة الاقتصادية والإنسانية، وتدهور الخدمات العامة وتعثر الوصول إلى تسوية سياسية شاملة بسبب سلطات المحاصصة الداخلية والقوى الانتهازية الخارجية، التي لا تريد أن تنهي الصراع وتعيد بناء الدولة..

احترام السيادة
لقد أصبحت اليمن تحت الوصاية الإقليمية (حصار) والدولية البند السابع الأممي، أي انها تحت استعمار مبطن،
حيث تعددت واتسعت القوى الإقليمية والدولية التي تتحكم بمصير اليمن وفقاً لمصالحها، وارتباط أطراف يمنية متعددة بداعمين خارجيين، إضافة إلى استمرار قرارات مجلس الأمن والعقوبات المتعلقة باليمن..
وإشارة القباطي إلى أن ذلك أدى إلى إنهاء استقلال القرار الوطني..
وأضافت بالقول: " إن الرسالة التي يمكن أن تحملها ذكرى 30 نوفمبر اليوم هي أن الاستقلال لا يكتمل بمجرد خروج قوة أجنبية، بل يترسخ بقيام دولة ذات سيادة وطنية دون أي ارتهان للخارج ، ومؤسسات وطنية فاعلة، تحت سيادة القانون والمساءلة، وقرار سياسي مستقل، وسيادة للقانون على الجميع، وقدرة على إدارة الموارد الوطنية بعيداً عن الإملاءات الخارجية المتعددة، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الدول على أساس الاحترام والمصلحة المتبادلة وليس التبعية، مع فرض واقع عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهذا يتفق مع المبادئ العامة لميثاق الأمم المتحدة التي تؤكد احترام سيادة الدول واستقلالها السياسي..

ثمرة النضال
بدورها الصحفية زكية الفقيه تؤكد أن ذكرى الثلاثين من نوفمبر، ذكرى الاستقلال الوطني وخروج آخر جندي بريطاني من جنوب الوطن عام 1967م، ليست مجرد مناسبة لاستحضار حدث تاريخي مجيد، بل هي محطة وطنية للتأمل في معنى الاستقلال الحقيقي، ومراجعة واقع اليمن وما يواجهه من تحديات بعد عقود من نيل حريته وسيادته .. مؤكدة على أن الاستقلال كان ثمرة نضال وتضحيات جسيمة قدمها اليمنيون دفاعاً عن كرامتهم وحقهم في تقرير مصيرهم، ولذلك فإن الوفاء لتلك التضحيات لا يكون بالاحتفال بالماضي فحسب، وإنما بصون السيادة الوطنية، واستعادة الدولة، وتحرير القرار السياسي اليمني من كل أشكال الوصاية والتبعية..
وعن التحديات والأخطار المحدقة باليمن اليوم تكالب القوى الخارجية وتربصها باليمن علي واقع ترتبط به النخب السياسية في اليمن باجندة خارجية تسهم في تعميق الجرح وعدم تجذر مفهوم الانتماء للوطن..
وأضافت الفقيه: " إن المسؤولية الوطنية والتاريخية يجب ان تنُهي استمرار حالة التشتت والارتهان وتعدد مراكز القرار، وعدم امتلاك قرار وطني مستقل وموحد، فضلاً عن عدم عودة مؤسسات الدولة وقياداتها بصورة كاملة وفاعلة إلى أرض الوطن، كلها عوامل أضعفت حضور الدولة وأفقدت المواطن الثقة بقدرتها على استعادة زمام المبادرة..

استقلالية القرار
إن التحدي الحقيقي أمام اليمن اليوم هو استعادة مفهوم الاستقلال بمعناه الشامل.. استقلال القرار الوطني، ووحدة الأرض، وسيادة الدولة، واحتكارها للسلاح، وإنهاء الميليشيات، وبناء مؤسسات فاعلة تقوم على المواطنة والعدالة والشراكة الوطنية. كما يتطلب ذلك تجاوز الانقسامات والمناكفات، وتقديم المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية والشخصية، وإعادة بناء الاقتصاد، وتحسين الظروف المعيشية، وتحقيق سلام عادل لا يكافئ الانقلاب ولا يشرعن السلاح خارج إطار الدولة..
واكدت الفقيه" أن اليمن لا يحتاج إلى وصاية جديدة تحت أي مسمى، ولا إلى استبدال تبعية بأخرى، وإنما يحتاج إلى دولة مستقلة القرار، متوازنة العلاقات، تحترم جوارها، وتحافظ على أمن المنطقة، وتبني شراكاتها مع الأشقاء والأصدقاء من موقع الندية والسيادة والمصلحة المتبادلة..
واختتمت الفقبه حديثها بالإشارة إلى أن الاستقلال الذي تحقق في الثلاثين من نوفمبر 1967م يجب أن يكتمل اليوم باستقلال القرار اليمني واستعادة الدولة وسيادتها على كامل ترابها الوطني، فتلك هي الرسالة الحقيقية التي ينبغي أن نحملها من تضحيات الأجيال السابقة، وذلك هو العهد الذي يجب أن نقطعه للأجيال القادمة.. وعاش اليمن حراً مستقلاً، وعاشت إرادة شعبه في الحرية والكرامة والسيادة..

معاناة الأجداد
الكاتب والمحلل السياسي عبدالملك سام يقول في هذا الصدد: تحل الذكرى الـ59 لذكرى 30 نوفمبر، ذكرى خروج آخر محتل بريطاني من اليمن، والبلد يعاني من إحتلال آخر (سعودي إماراتي)، وجيل قد نسي ما عاناه الأجداد في نضالهم لعقود من الزمن حتى تمكنوا من التحرر.. تحرر كان ثمنه دم ومعاناة بات اليوم منسياً لدرجة أننا اليوم أصبحنا نجد من يحن لاحتلال الماضي، ومن ينضوي تحت راية إحتلال اليوم..
لافتا إلى أن هذا الأمر يستدعي ثورة فكرية وإجتماعية لتوعية الناس بخطورة هذه التوجهات المدمرة، وفي نفس الوقت الذي نصارع فيه الاحتلال والعدوان والحصار، وهذا الدور يرتكز بشكل رئيسي اليوم على الإعلام الرسمي والشعبي، وأيضا على التفاعل البناء الذي تؤديه القبيلة اليمنية في سبيل توحيد المواقف لمواجهة الاحتلال ونبذ ثقافة الإرتزاق..
وعن دور القبيلة يشير سام إلى أنها صمام أمان في مواجهة التحديات، وعامل حاسم لتوحيد الشعب في أخطر مراحل النضال الوطني في وقتنا الحاضر.

تمت طباعة الخبر في: الأحد, 08-نوفمبر-2026 الساعة: 10:50 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-69662.htm