فريق دكتور/ قاسم محمد لبوزة - تأتي الذكرى الرابعة والأربعون لتأسيس صحيفة «الميثاق»، لسان حال المؤتمر الشعبي العام، بوصفها مناسبة لاستحضار تجربة إعلامية وحزبية ووطنية امتدت عبر عقود من التحولات السياسية والوطنية، وظلت خلالها الصحيفة حاضرة في المشهد الإعلامي، تؤدي رسالتها وتواكب مسيرة المؤتمر الشعبي العام، وتعبر عن مواقفه ورؤاه ومشروعه الوطني.
لم تكن «الميثاق» منذ صدورها مجرد صحيفة حزبية تُعنى بنقل الأخبار والمواقف، بل كانت جزءاً من التجربة السياسية والتنظيمية للمؤتمر الشعبي العام، ونافذة إعلامية عكست حضوره في الحياة العامة، وواكبت محطاته المختلفة، وأسهمت في توثيق مسيرته وما ارتبط بها من أحداث ومواقف وإنجازات وطنية.. ومن هنا، فإن الحديث عن «الميثاق» هو حديث عن جانب من ذاكرة المؤتمر وتجربته، وعن مرحلة مهمة من تاريخ الصحافة السياسية في اليمن.
لقد ارتبط تأسيس الصحيفة بمرحلة شهدت فيها البلاد تحولات مهمة، وكان المؤتمر الشعبي العام، منذ تأسيسه، حاملاً لمشروع وطني استند إلى الحوار والتوافق والشراكة الوطنية، وإلى جمع مختلف الرؤى والاتجاهات في إطار من الثوابت والمصالح العليا للوطن.. وقد كان من الطبيعي أن يكون لهذا المشروع منبر إعلامي يعبر عن مواقفه، ويقدم رؤيته، وينقل نشاطه، ويواكب حضوره السياسي والوطني، وهو الدور الذي اضطلعت به «الميثاق» على امتداد مسيرتها.
واللافت في تجربة الصحيفة أنها حافظت، رغم تعاقب الظروف وتبدل المراحل، على انتظام صدورها واستمرارية حضورها، وهو أمر يعكس حجم الجهد الذي بذلته أجيال من الصحفيين والكُتاب والعاملين فيها، وإيمانهم بأهمية استمرار هذا المنبر وأداء رسالته.. فالاستمرارية في العمل الصحفي ليست مجرد انتظام في إصدار الأعداد، بل هي تعبير عن التزام برسالة وموقف، وعن قدرة على تجاوز التحديات ومواصلة الحضور.
كما تميَّز خطاب «الميثاق» في كثير من محطاته بالحرص على رصانة الكلمة ووضوح الرسالة، والابتعاد عن المهاترات الإعلامية والسجالات التي لا تخدم الوعي العام ولا تضيف إلى جوهر القضايا المطروحة، فقد أدركت الصحيفة أن التعبير عن الموقف السياسي لا يتعارض مع الموضوعية، وأن الدفاع عن المواقف والتوجهات لا يستدعي التخلي عن المسؤولية المهنية، وأن الكلمة الرصينة تظل أكثر قدرة على التأثير والإقناع من خطاب المبالغة والانفعال.
ولعل من أهم ما ينبغي التوقف أمامه في هذه المناسبة أن «الميثاق» لم تكن شاهداً على مسيرة المؤتمر الشعبي العام فحسب، بل كانت أيضاً جزءاً من أدوات التواصل مع المجتمع، ومن مساحة التعبير عن قضاياه وتطلعاته، وعن المواقف المتصلة بالشأن الوطني.. وقد تعددت أدوارها بتعدد المراحل، لكنها ظلت مرتبطة بفكرة أساسية، هي أن الإعلام مسؤولية وطنية، وأن الصحافة الحزبية، حين تحافظ على موضوعيتها واتزانها، تستطيع أن تقدم خطاباً يعبر عن هويتها السياسية دون أن تنغلق عن محيطها الوطني.
إن الاحتفاء بالذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس «الميثاق» ينبغي ألا يقتصر على استعادة صفحات الماضي ومحطاته، على أهميتها، وإنما يمثل فرصة للتقييم والمراجعة، واستلهام الدروس من تجربة طويلة، والتفكير في متطلبات المرحلة الراهنة وما تفرضه من تحديات على الإعلام الحزبي والوطني.. فالمشهد الإعلامي اليوم يشهد تحولات متسارعة، وأصبحت المسؤولية أكبر في تحرّي المعلومة، واحترام عقل المتلقي، وتقديم خطاب متزن، ومواكبة قضايا الناس، والتمييز بين الاختلاف السياسي والخصومة الإعلامية.
ومن هذا المنطلق، فإن الرهان على «الميثاق» لا ينبغي أن يكون رهاناً على تاريخها وحده، بل على قدرتها على تجديد أدواتها وتطوير محتواها، والاستفادة من رصيدها وتجربتها، ومواصلة أداء دورها في التعبير عن مواقف المؤتمر الشعبي العام، وتعزيز حضوره السياسي والإعلامي، ضمن خطاب يستوعب المتغيرات ويحافظ على الثوابت الوطنية.
وفي هذه المناسبة، لا يسعنا إلا أن نحيّي كل من أسهم في تأسيس الصحيفة واستمرارها، من قيادات وكوادر وصحفيين وكُتاب وعاملين، ممن تركوا بصماتهم في مسيرتها، وأخلصوا لرسالتها عبر مختلف المراحل، كما نقدر جهود العاملين فيها اليوم، الذين يواصلون تحمل مسؤولية الحفاظ على هذا المنبر واستمرار صدوره.
أربعة وأربعون عاماً ليست مجرد رقم في عمر صحيفة، بل حصيلة تجربة وذاكرة ومواقف، وشهادة على أن الكلمة حين تستند إلى موقف واضح، وتُصاغ بمسؤولية وموضوعية، تستطيع أن تحافظ على حضورها وقيمتها مهما تبدلت الظروف.
كل عام و«الميثاق» حاضرة برسالتها، وفية لتاريخها، ومتجددة في أدائها، ومواصلة دورها الإعلامي والوطني.
نائب رئيس المؤتمر الشعبي العام
|