غسان حيدر - بين حسابات الرئيس السيسي، وذاكرة حرب الستينيات، ومصالح الخليج، يقف البرلمان المصري أمام اختبار يتجاوز التصويت على تفويض عسكري: لمن ستكون الكلمة الأخيرة، لمصلحة الشعب أم لحسابات السلطة؟
لماذا يحتاج البرلمان المصري إلى أسبوع إضافي لمناقشة تفويض الرئيس عبدالفتاح السيسي باتخاذ إجراءات عسكرية لدعم السعودية، بينما تشير المواقف المعلنة إلى تأييد رئاسي وعسكري لهذا التوجه؟
هل يتعلق الأمر بمراجعة جدية لحسابات الحرب، أم أن السلطة تحتاج إلى ترتيب المشهد السياسي وتأمين الغطاء البرلماني قبل الانتقال من التصريحات إلى الخطوات العملية؟
أسئلة تبدو إجرائية في ظاهرها، لكنها تفتح الباب أمام قضية أكبر بكثير: هل تستعد مصر لدخول مواجهة جديدة في محيط اليمن، أم أنها تحاول الموازنة بين التزاماتها تجاه السعودية وبين مخاطر تكرار واحدة من أكثر التجارب العسكرية مرارة في تاريخها الحديث؟
رفع الجلسة إلى الاثنين المقبل لا يعني بالضرورة أن القاهرة تراجعت عن خيار التدخل، لكنه يضع القرار تحت المجهر.
فحين يتعلق الأمر بإمكانية إرسال جنود إلى خارج الحدود، لا يعود السؤال عن الموقف السياسي وحده، بل عن طبيعة المهمة، والجهة التي ستحدد أهدافها، والثمن الذي يمكن أن تدفعه مصر إذا اتسعت الحرب أو طال أمدها.
التأجيل ليس تفصيلاً عابراً
لو كان الأمر مجرد إعلان تضامن سياسي مع السعودية، لما احتاج إلى كل هذه الحسابات، فالتضامن شيء، ومنح الرئيس تفويضاً عسكرياً شيء آخر تماماً.
قد يتفق المصريون على أن أمن السعودية مهم لاستقرار المنطقة، لكن هذا الاتفاق لا يعني أن إرسال القوات المصرية إلى أي مواجهة محتملة يصبح قراراً بدهياً أو خالياً من المخاطر.
هنا تحديداً تظهر أهمية الأسبوع الفاصل بين الجلسات.
فهل يريد النواب معرفة طبيعة المهمة التي سيُطلب من الجيش تنفيذها؟ وهل سيقتصر الأمر على الدفاع عن الأراضي السعودية وحماية المنشآت، أم يمكن أن يمتد إلى عمليات عسكرية مباشرة داخل اليمن؟
الفارق بين الاحتمالين كبير، فحماية الأجواء والمنشآت ليست كإرسال قوات برية إلى ساحة صراع معقدة، ولا يمكن التعامل معهما باعتبارهما وجهين لقرار واحد.
وقد يكون التأجيل فرصة لتوضيح هذه التفاصيل، أو وسيلة لاحتواء تحفظات داخل البرلمان، أو مجرد إجراء يسبق التصويت على قرار تتجه إليه السلطة بالفعل، ولا توجد أدلة كافية للجزم بأي من هذه التفسيرات حتى الآن.
لكن ما ينبغي ألا يغيب عن الأذهان هو أن موافقة مجلس الدفاع الوطني، مهما كانت أهميتها، لا تُغني عن مسؤولية البرلمان الدستورية في حالة إرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج الحدود.
فإذا كان القرار محسوماً من الناحية السياسية، فلماذا يحتاج النواب إلى أسبوع إضافي لمناقشته؟ وإذا كانت هناك تفاصيل لم تُحسم بعد، فكيف يمكن مطالبتهم بالموافقة على تفويض عسكري قبل أن تتضح حدوده؟
اليمن .. الذاكرة التي ينبغي ألا تغيب عن القاهرة
هناك سبب يجعل أي حديث عن تدخل مصري جديد في اليمن مختلفاً عن غيره من التدخلات العسكرية : إنه التاريخ.
ففي ستينيات القرن الماضي، دخلت مصر بقيادة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر الحرب اليمنية دعماً للجمهوريين ضد الملكيين المدعومين من السعودية بعد ثورة 1962، ولم تكن القاهرة تتوقع، على ما يبدو، أن يتحول التدخل إلى استنزاف طويل يستنزف الجنود والموارد ويعقد حسابات الدولة في أكثر من اتجاه.
توسعت المشاركة العسكرية، وازدادت صعوبة حسم الصراع، وأصبح الانسحاب نفسه مسألة شديدة التعقيد.
ومع مرور الوقت، لم تعد الحرب مجرد مهمة لدعم طرف يمني، بل تحولت إلى عبء ثقيل على الدولة المصرية وجيشها واقتصادها.
وحين اندلعت حرب يونيو 1967 أمام إسرائيل، كانت مصر تواجه تحديات عسكرية وسياسية كبيرة، وكان انشغالها باليمن أحد العوامل التي أثرت في جاهزيتها العسكرية، وليس من الدقة تحميل حرب اليمن وحدها مسؤولية الهزيمة، لكن من الصعب أيضاً تجاهل ما أضافته من استنزاف إلى وضع مصري بالغ التعقيد.
كانت تلك تجربة قاسية تركت أثراً وجرحاً غائراً في نفوس المصريين، كما انها لا تزال تطرح سؤالاً يستحق أن يُطرح اليوم: كيف يمكن لدولة أن تدخل حرباً بأهداف محدودة، لصالح طرف معتدي على جاره - على الأقل من وجهة نظر اليمنيين - ثم تجد نفسها بعد سنوات أمام صراع يصعب حسمه ويصعب الخروج منه؟
اليمن ليس ساحة يمكن اختزالها في حسابات القوة العسكرية وحدها، فالجغرافيا الوعرة، وتشابك القوى المحلية، وطبيعة الصراعات الداخلية، كلها عوامل تجعل تحقيق انتصار عسكري حاسم أمراً مختلفاً عن مجرد التفوق في السلاح.
ولهذا، فإن استحضار حرب الستينيات ليس استدعاءً للماضي من أجل التشفي أو تسجيل النقاط، بل تذكير بأن الدول التي لا تتعلم من تجاربها قد تجد نفسها أمام أخطاء قديمة بوجوه جديدة.
لقد دفعت مصر ثمناً باهظاً لتدخلها السابق في اليمن، وليس من الحكمة أن تتعامل مع احتمال التدخل مجدداً وكأن ذلك التاريخ لم يحدث.
هل يكون الهدف حماية السعودية أم الانخراط في حرب جديدة؟
حتى الآن، لا يكفي الحديث عن تفويض محتمل للقول إن قرار إرسال قوات برية مصرية إلى اليمن قد اتُّخذ بالفعل، فهناك فارق بين منح الرئيس صلاحية اتخاذ إجراءات دفاعية، وبين اتخاذ قرار فعلي بنشر القوات وتحديد مهمتها ومسرح عملياتها.
قد ترى القاهرة أن حماية السعودية من هجمات تستهدف أراضيها أو منشآتها تتفق مع مصالحها الأمنية، خصوصاً في ظل أهمية البحر الأحمر وممراته الملاحية، وقد يكون الدعم-إن حدث- دفاعياً ومحدوداً.
لكن المشكلة تبدأ عندما لا تكون حدود المهمة واضحة.
فإذا كان الهدف حماية المنشآت السعودية، فما الذي سيحدث إذا استمرت الهجمات؟ وإذا تعرضت القوات المصرية لخسائر، فهل ستكتفي القاهرة بالمهمة الأصلية أم ستجد نفسها مضطرة إلى توسيع مشاركتها؟ وإذا انتقلت المواجهة إلى عمليات داخل اليمن، فمن الذي سيحدد نهاية التدخل؟
هذه ليست أسئلة افتراضية بلا قيمة، إنها جوهر أي قرار عسكري مسؤول.
فالحروب لا تتوقف دائماً عند الحدود التي يرسمها أصحاب القرار في بدايتها، والعمليات التي توصف بأنها محدودة قد تتسع تحت ضغط التطورات الميدانية والسياسية.
ومن هنا، فإن جدية النظام المصري في التدخل لن تُقاس بالتصريحات وحدها، بل بطبيعة التفويض الذي سيُعتمد، وبالقرارات التي ستليه، وبمدى استعداد القاهرة لتحمل تبعات المهمة إن تجاوزت حدودها الأولى.
المال الخليجي .. أين تنتهي المصالح وتبدأ الضغوط؟
لا يمكن تجاهل العامل الاقتصادي في العلاقة بين مصر ودول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، فقد شكلت المساعدات والودائع والاستثمارات الخليجية سنداً مهماً للاقتصاد المصري خلال سنوات صعبة، وهو ما يجعل العلاقات بين الطرفين محكومة بشبكة واسعة من المصالح والالتزامات المتبادلة.
ومن الطبيعي أن تراعي القاهرة هذه المصالح في حساباتها السياسية، لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: إلى أي مدى تستطيع مصر الحفاظ على استقلال قرارها عندما تتقاطع احتياجاتها الاقتصادية مع مطالب حليف إقليمي؟
لا يعني ذلك أن كل موقف مصري مؤيد للسعودية ناتج عن ضغط مالي، ولا أن كل من يدعم التفويض العسكري يفعل ذلك مقابل منفعة، مثل هذه الاتهامات تحتاج إلى أدلة، ولا يصح تحويلها إلى أحكام مسبقة.
لكن من حق المصريين أن يسألوا عن طبيعة الحسابات التي تقف خلف قرار قد يضع أبناءهم في مواجهة عسكرية خارج بلادهم.
فإذا كان التدخل يخدم الأمن القومي المصري، فمن واجب السلطة أن توضح أوجه هذه المصلحة، وأن تشرح لماذا لا يمكن تحقيقها بوسائل أقل كلفة، وإذا كانت هناك تفاهمات سياسية أو اقتصادية ترتبط بالموقف، فمن حق الرأي العام أن يعرف ما يمكن الكشف عنه منها.
فالعلاقات بين الدول لا تقوم على العواطف وحدها، لكن التحالفات لا ينبغي أيضاً أن تتحول إلى التزامات مفتوحة لا تتناسب كلفتها مع العائد المتوقع منها.
ليس عيباً أن تكون لمصر مصالح اقتصادية مع السعودية، لكن الخطر أن تتحول هذه المصالح إلى ضغط يجعل قرار الحرب منفصلاً عن حسابات المصلحة المصرية المستقلة.
النواب أمام امتحان لا يحتمل المجاملة
ربما تكون جلسة الاثنين المقبل أهم من مجرد تصويت على تفويض رئاسي، لأنها ستكشف طبيعة الدور الذي يراه البرلمان لنفسه في القرارات المصيرية.
فالنواب ليسوا مطالبين بإثبات ولائهم للرئيس، ولا بإثبات عدائهم له، إنهم مطالبون بأن يحددوا موقفهم من قرار قد تترتب عليه حياة جنود، وأموال عامة، وعلاقات إقليمية، واحتمالات تصعيد لا يمكن التنبؤ بكل نتائجها.
هل سيسألون عن طبيعة المهمة وحدودها؟ هل سيطالبون بضمانات تمنع التوسع في العمليات؟ هل سيناقشون الكلفة المالية والعسكرية؟ وهل سيصرون على معرفة الشروط التي يمكن بموجبها إنهاء المهمة وسحب القوات؟
أم أن التصويت سيمضي استناداً إلى الثقة في السلطة، أو تحت ضغط ضرورة إظهار التضامن مع السعودية، من دون نقاش كافٍ للتفاصيل؟
هنا يتحدد الفرق بين البرلمان الذي يمارس دوره الرقابي، والبرلمان الذي يكتفي بمنح الغطاء السياسي للقرارات.
ليس المطلوب أن يرفض النواب التفويض لمجرد أن الحرب محفوفة بالمخاطر، كما ليس المطلوب أن يوافقوا عليه لمجرد أن الرئيس ومجلس الدفاع الوطني يؤيدان التوجه، المطلوب أن تكون الموافقة أو الرفض نتيجة تقدير مستقل للمصلحة الوطنية.
أما الحديث عن المغريات الخليجية وتأثيرها المحتمل في مواقف النواب، فيجب أن يُترجم إلى مطلب واضح بالشفافية والمساءلة، لا إلى اتهامات بلا دليل، فالنائب الذي يصوت لمصلحة التدخل ينبغي أن يكون قادراً على شرح مبرراته أمام ناخبيه، تماماً كما ينبغي لمن يعارضه أن يقدم حججه.
وفي النهاية، لن يكون الاختبار الحقيقي في عدد الأصوات المؤيدة أو الرافضة، بل في نوعية الأسئلة التي طُرحت، والمعلومات التي كُشفت، والضمانات التي أُخذت قبل اتخاذ القرار.
هل يتردد الرئيس السيسي أم يحاول تأمين الطريق؟
من الخطأ اعتبار التأجيل دليلاً قاطعاً على تردد السيسي، كما سيكون من الخطأ اعتباره دليلاً على أن التدخل أصبح أمراً محسوماً.
قد تكون هناك حسابات تتعلق بحجم المشاركة المطلوبة، أو طبيعة المهمة، أو الموقف الإقليمي، أو الكلفة السياسية والعسكرية، وقد يكون التأجيل جزءاً من إدارة القرار وتهيئة الغطاء البرلماني اللازم له.
لكن هناك سؤال لا يمكن تجاهله: إذا كانت القاهرة ترى أن التدخل ضرورة استراتيجية، فلماذا لا تُعرض على النواب منذ البداية صورة واضحة للمهمة التي يُطلب منهم تفويض الرئيس بشأنها؟
وإذا كانت التفاصيل لا تزال موضع بحث، أليس من المنطقي أن يكون هذا سبباً للتريث بدلاً من التعامل مع الموافقة وكأنها مجرد خطوة شكلية؟
القرار الجاد لا يخشى الأسئلة، والبرلمان الواثق من موقفه لا يحتاج إلى اختصار النقاش في إعلان التأييد، أما إذا كان المطلوب هو تفويض واسع تُترك تفاصيله للسلطة لاحقاً، فإن المخاطرة لا تكمن في التأجيل، بل في طبيعة القرار نفسه.
ولقد كشفت تجربة الستينيات أن الدخول إلى اليمن قد يكون أسهل كثيراً من الخروج منه، وأن الاستنزاف في جبهة واحدة قد يضعف قدرة الدولة على مواجهة أخطار أخرى، كما أثبت التاريخ أن التفوق العسكري لا يضمن وحده تحقيق الأهداف السياسية.
واليوم، لا ينبغي أن يكون السؤال: هل مصر قادرة على إرسال قواتها؟ بل: ما الذي ستجنيه مصر من ذلك، وما الذي يمكن أن تخسره، وهل توجد بدائل تحقق أهدافها بأثمان أقل؟
أما البرلمان، فهو أمام فرصة لإثبات أن حياة المصريين ومصالح بلادهم ليستا مجرد تفصيل في حسابات السلطة أو التحالفات الإقليمية.
مصر ليست مطالبة بتكرار أخطاء الماضي، واليمن ليس ساحة خالية من التاريخ، والدم المصري ليس ورقة تفاوض، كما أن الدم اليمني لا ينبغي أن يتحول إلى ثمن لتصفية الحسابات الإقليمية.
سيأتي الاثنين المقبل، وسيظهر موقف النواب، لكن قيمة القرار لن تتحدد بمجرد تمريره أو إسقاطه، وإنما بما إذا كان قد اتُّخذ بعد معرفة حقيقية بمخاطرة وحدوده وعواقبه.
فالتاريخ لا يعيد نفسه بالطريقة ذاتها، لكنه يمنح الدول فرصة لا تتكرر كثيراً لتجنب الأخطاء التي دفعت ثمنها من قبل.
|