الميثاق نت -

الإثنين, 14-سبتمبر-2026
استطلاع/ عبدالرحمن الشيباني -
تمر الذكرى الـ 64 لثورة 26 سبتمبر الخالدة هذا العام وسط ظروف بالغة التعقيد يمر بها الوطن ، ومع ذلك تظل هذه المناسبة محط اهتمام كبير لدى اليمنيين نظراً لأهمية الحدث وأثره في حياة اليمنيين، والتي جاءت كنتيجة حتمية لحركة التطور الإنساني، أفضت إلى التخلص من نظام إقطاعي مستبد ادخل اليمن في كهوف الظلام وأذاقه الويلات ليأتي فجر الثورة السبتمبرية ويبدأ عهداً جديداً عانق فيه اليمنيون الحرية واعلنوا ان لا شيء مستحيل عندما تؤمن الشعوب بقضيتها العادلة وفي سبيلها تكون التضحيات الجسام هينة أمام نبل وعظمة الهدف..
تتجدد هذه الذكرى وبالرغم من عمرها إلا أنها مازالت في طور التحدي والمواجهة لكن قدر كل الثورات أن تمر بتلك المنعطفات والتحديات كما أنها أيضاً تستطيع تجاوزها بكل اقتدار.. فالثورة اليمنية السبتمبرية قدر اليمنيين وواقعهم ولا يمكن ان يعود اليمنيون للوراء مهما حصل..
في هذا الصدد يقول الأستاذ إسكندر مريسي: جاءت ثورة 26 سبتمبر الخالدة تجسيداً لرغبة حقيقية كانت تراود اليمنيين بالخروج من الثالوث الرهيب المتمثل بالجهل والفقر والمرض.. مشيراً إلى أن الرغبة كانت تتجه نحو بناء دولة حقيقية تحمي ولا تهدد تصون ولا تبدد وتكون عند مستوى تاريخ وحضارة الشعب اليمني، وعلى مدى عقود انقضت من الزمن أسرعت تلك الثورة عبر تاريخها الزمني تارة وأبطأت تارة أخرى، ومثل أي حدث إيجابي في التاريخ تتخلله السلبيات والإيجابيات .. لافتاً إلى أن ثورة الـ26 من سبتمبر لم تكن بمعزل عن الانتصارات والانتكاسات لأن طبيعة الأحداث التاريخية تتداخل مع بعضها البعض على ذلك النحو وإن كانت تلك الثورة قد مثلت بالتأكيد حالة يقظة حقيقية نحو إنجاز الآمال والطموحات المشروعة التي عبَّرت عنها بأهدافها الستة..

وأضاف مريسي" لقد حصلت تراجعات باعدت بين تلك الطموحات وبين النهوض بالواقع ولا يعني ذلك أغفال جوانب إيجابية قد أحرزتها الثورة عبر مسيرتها التاريخية وما نتج عن ذلك من تحولات اقتصادية بدرجة أساسية وكذلك إنجازات على صعيد العملية التعليمية..

المشروع القومي
عند إجراء مقارنة حقيقية لاستنطاق الواقع وسبر أغواره المختلفة فإن ما تحقق من إنجازات أحرزتها ثورة 26 سبتمبر خلال الفترة الماضية لم يكن عند مستوى الآمال والطموحات المشروعة ويرجع ذلك إلى جملة تحديات اعترضت مسيرة تلك الثورة فكان من الطبيعي أن تصيب أحياناً في مسيرتها وتخطئ أحياناً كثيرة، وبالتالي فإن ثورة 26 سبتمبر المجيدة كحركة تاريخية ونتيجة منطقية ترتبت على ثورة 23 يوليو الناصرية وما أوجدته من دور كبير في قيادة مشروع النهوض القومي، وكان ذلك سبباً كافياً جراء ارتباط ثورة 26 سبتمبر 1962م منذ الوهلة الأولى لانطلاقتها بالمد القومي الناصري قد ضاعف من التحديات التي اعترضت مسيرة تلك الثورة منذ البداية الأولى لانطلاق شرارتها..
وانتهى مريسي بالقول: " كان من الطبيعي أن تقف مصر عبدالناصر لمؤازرة ودعم تلك الثورة وقد كان لذلك اثره البالغ في نجاح النظام الجمهوري رغم ما تخلل السنوات الأولى من عمر ثورة 26 سبتمبر المباركة من تحديات تمثلت في البداية أو في الأيام الأولى لقيام تلك الثورة بين الجمهوريين والملكيين وانتهى ذلك الصراع بمؤتمر خمر الذي أدى إلى الوفاق بين الجانبين..

المكان والزمان
الكاتب الصحفي حمود أحمد مثنى يرى أن ثورة 26 سبتمبر مثلت تحول في التاريخ المعاصر وتأثير في الحاضر وبوصلة للمستقبل .. وقال " لم تكن ثورة سبتمبر مجرد حدثٍ عابر في التاريخ اليمني، بل مثّلت تحولاً عميقًا في مسار اليمن السياسي والاجتماعي وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من البحث عن الدولة والاستقلال وبناء القرار الوطني..
وأضاف مثنى :"يمكن النظر إليها بوصفها ثورة تحرر من الهيمنة والاستعمار الأجنبي، ورفضاً للوصاية الإقليمية والدولية".. مشيراً إلى أن القرار اليمني كان نابعاً من إرادة اليمنيين ومصالحهم الوطنية.. ومن هذه الزاوية، فإن جوهر الثورة لا يرتبط بالماضي وحده بل يمتد تأثيره إلى الحاضر ويطرح سؤال المستقبل: هل يمتلك اليمن قراره السياسي والاقتصادي بصورة مستقلة؟ فالاستقلال الحقيقي لا يقتصر على خروج النفوذ الأجنبي وإنما يشمل استقلال القرار السياسي والتحرر من الارتهان الاقتصادي وبناء مؤسسات وطنية قادرة على حماية السيادة وإدارة الموارد وتحقيق التنمية، ولهذا فإن قراءة ثورة سبتمبر اليوم لا ينبغي أن تكون مجرد استعادة لذكرى تاريخية بل قراءة نقدية لمسار طويل من التحولات واستخلاص الدروس التي يمكن أن تساعد في بناء مستقبل يمني أكثر استقلالاً ووحدة وعدالة وقدرة على صناعة قراره بنفسه، ثورةٌ بدأت (كتحرر من واقع تاريخي) واستمرت كفكرة عن السيادة، ويظل تحديها الأكبر هو تحويل الاستقلال السياسي إلى استقلال اقتصادي وقرار وطني مستقل..

إزالة الطبقية
المحلل السياسي تيسير السامعي يقول: إن أجدادنا الذين أسقطوا الإمامة وأقاموا النظام الجمهوري في 26 سبتمبر عام 1962م كانت أهدافهم واضحة وكانوا يدركون تماماً ماذا يريدون.. لقد عبروا عن ذلك من خلال الأهداف الستة التي كانت عنواناً للثورة ومنارة للجمهورية..
وأضاف السامعي: "الأهداف الستة سطروها بدمائهم وفدوها بأرواحهم وأصروا على تطبيقها على أرض الواقع منذ أول يوم لانتصار الثورة.. الهدف الأول، جوهر القضية كلها، هو "التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلفاتهما وإقامة نظام جمهوري عادل وإزالة الفوارق والامتيازات الطبقية".. عليك أن تضع عشرين خطاً تحت عبارة "وإزالة الفوارق والامتيازات الطبقية"، لأنها لب الثورة وقلب الجمهورية ، هذه العبارة لم تكتب من فراغ، من كتبوها كتبوها وهم يعرفون ما وراءها، فالإمامة كانت تستمد مشروعيتها من الفوارق والامتيازات الطبقية، ومن هذه الأفكار والمعتقدات حكم الأئمة على رقاب الناس وجعلوا لأنفسهم مكانة خاصة في المجتمع والطبقة الأولى فيه، ثم قسموا بقية المجتمع إلى طبقات وجعلوا لكل طبقة امتيازات خاصة لا يجوز تجاوزها: القبائل، الرعية، أصحاب المهن، وصولاً إلى المهمشين، وكل طبقة لها لباس خاص بها.

أداف الثورة
وبحسب السامعي تم إلغاء مبدأ المساواة الذي أقره الإسلام ودعا إليه وجعله من أهم مبادئه، وتم إلغاء المواطنة المتساوية التي أقرتها المواثيق الدولية وجعلتها شرطاً أساسياً لتحقيق الحرية والعدل.. ولفت السامعي إلى أن الإمامة لم تكن نظاماً ملكياً مثل بقية الأنظمة الملكية في دول العالم، كان نظاماً مختلفاً يستمد مشروعيته من نصوص دينية غير صحيحة يُرغم الناس على الالتزام بها والتضحية من أجلها. ولم تكن قضية إزالة الفوارق والامتيازات الطبقية سهلة..
ويحمل السامعي الأحزاب مسؤولية عدم شرح أهداف الثورة بشكل جيد فيقول: "من وجهة نظري، أرى أن حدث تقصيراً حصل من قبل مؤسسات الدولة والأحزاب السياسية في شرح وتوضيح أهداف الثورة ومبادئ الجمهورية للأجيال التي جاءت بعد الجيل الأول الذين أسسوا الجمهورية وأشعلوا الثورة، هذا القصور لا نعرف ما سببه، لقد كانوا يقولون لنا الثورة قامت ضد الفقر والجهل والمرض فقط ، وظلوا يرددون هذه العبارة ويحفظونها للأجيال. لم يوضحوا حقيقة الثورة ولماذا قامت وما هي حقيقة أهدافها وما هي الإمامة وما هو وجهها الحقيقي، لم يقولوا لنا أن 26 سبتمبر جاءت تدافع عن تعاليم الإسلام الحنيف التي شوهتها الإمامة، عن مبدأ المساواة التي صادرتها الإمامة، عن قيم الشورى والحرية التي أنكرتها الإمامة، عن المواطنة المتساوية وعن كرامة الإنسان اليمني التي حاولت الإمامة طمسها، اليوم يجب علينا العودة الصادقة إلى أهداف الثورة ومبادئ الجمهورية ونجعلها هي المرجعية الأساسية التي نلتف حولها ونضحي من أجلها.

غياب المشروع
الإعلامي صلاح حيدرة.. يقول في هذا الصدد تظل ثورة السادس والعشرين من سبتمبر حجر الزاوية في بناء الدولة اليمنية الحديثة، رغم ما واجهته وما تزال تواجهه من تحديات وتهديدات تستهدف إفراغها من مضمونها وإسقاط أهدافها ومبادئها، ولعل أخطر ما يواجه اليمن اليوم هو ما أصاب نسيجه الاجتماعي من تمزيق، وما أُثير من نزعات عنصرية وجهوية وعرقية وشطرية، في ظل غياب مشروع وطني جامع قادر على استيعاب اليمنيين بمختلف توجهاتهم..
وبالرغم من ذلك يشير حيدرة إلى أن ما يدعو إلى الأمل هو أن مبادئ الثورة ما تزال حاضرة ومتجذرة في الوجدان اليمني، وهو ما يتجلى بوضوح مع حلول ذكراها، حيث تتسع مظاهر استحضار الثورة ومبادئها في الخطاب السياسي لمختلف القوى اليمنية، بما يؤكد أن ثمة أرضية وطنية مشتركة يمكن البناء عليها لتجاوز حالة الانقسام..
ويضيف حيدرة قائلاً: تأتي الذكرى الـ64 للثورة في ظل متغيرات محلية وإقليمية بالغة التعقيد، ومخاوف حقيقية من استمرار الانقسامات وتعميق الصراع بين أبناء الشعب الواحد، بما يخدم أجندات خارجية على حساب المصلحة الوطنية.. وهنا تبرز أهمية الوعي الوطني، ودور النخب السياسية والثقافية والفكرية في بلورة مشروع وطني جامع، يشكل رافعة للحلم الشعبي في إرساء السلام والاستقرار، وإطلاق مسار التنمية والبناء والنهوض بالوطن..
واستطرد حيدرة بالقول "إن تجاوز تحديات المرحلة لا يمكن أن يتحقق بالسجالات والمهاترات أو المشاريع الضيقة، وإنما بإعادة الاعتبار للمشترك الوطني، والالتفاف حول المبادئ والأهداف التي تجمع اليمنيين، وتحويلها إلى قاعدة للعمل المشترك، وفي هذا السياق، يمكن للثورة السبتمبرية أن تمثل جامعاً وطنياً وحالة مشتركة ينطلق منها مختلف اليمنيين، بمختلف توجهاتهم السياسية، لبناء مستقبل يتسع للجميع ويعيد لليمن أمنه واستقراره ودوره الحضاري.
تمت طباعة الخبر في: الجمعة, 30-أكتوبر-2026 الساعة: 03:02 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-69431.htm