الميثاق نت -

الإثنين, 31-أغسطس-2026
محمد علي اللوزي -
المليارات التي صًرفت على صناعة صورة جديدة للسعودية، وما رافقها من فعاليات ومهرجانات ومظاهر رفاهية وانفتاح واسعة، لم تستطع أن تمنع صورة واحدة صادقة عن واقع مؤلم من الوصول إلى ملايين البشر، فقد جاءت السينما الهندية بفيلم (حياة الماعز) لتفعل خلال ساعتين ونصف ما عجزت عنه كل حملات التجميل والدعاية: .. لقد وضعت أمام العالم صورة قاسية لنظام الكفيل حين يتحول من نظام لتنظيم علاقة العمل إلى وسيلة للسيطرة والاستغلال والإذلال والقهر، ونهب المغترب حقوقه وأمواله بنظام متعجرف لا يعترف بحقوق الإنسان وحقه في التملك..
الفيلم، المستند إلى رواية واقعية، يحكي مأساة رجل هندي وجد نفسه يعمل في رعي الابل والماعز لدى كفيل سعودي، في ظروف قاسية ومعاملة مجردة من الرحمة والشفقة.. وبعيدا عن تقييم الفيلم فنيا أو الاتفاق مع كل تفاصيله، فقد نجح في نقل قضية إنسانية إلى الشاشة وتحويل تجربة فردية إلى سؤال عالمي عن الكرامة الإنسانية وحقوق العامل المغترب..
لعل اليمني يعرف هذه القضية بصورة أشد قشوة، لان علاقة اليمنيين بالسعودية ليست علاقة عامل أجنبي بدولة بعيدة فحسب، بل هي امتداد لعلاقة تاريخية وجغرافية واجتماعية عميقة، ومع ذلك وجد ملايين اليمنيين انفسهم خلال عقود أمام منظومة عمل وهجرة جعلتهم عرضة للاستغلال والابتزاز، بدءا من الحصول على التأشيرة وما يرافقها من تكاليف، مرورا بالعمل والإقامة، وانتهاء بالمغادرة..
ولعل أكثر ما يؤلم اليمني هو أن هذا كله يحدث بين شعبين متداخلين في التاريخ والقبيلة والجغرافيا والمصاهرة والمصالح.. فالحدود السياسية لم تستطع أن تمحو حقيقة أن اليمني كان لعقود طويلة يتحرك في مناطق المملكة ويعمل فيها ويعيش بين أهلها دون أن يشعر بتلك المسافة التي فرضتها السياسة والقوانين الحديثة..
لقد تحول الكفيل في حالات كثيرة إلى سلطة تتجاوز علاقة العمل نفسها، حتى بات العامل يشعر بأن رزقه وأقامته وحركته ومستقبله مرتبطة برضا شخص واحد.. وفي بعض الحالات التي عرفها اليمنيون، لم يتوقف الأمر عند الاستغلال في الأجر والعمل، بل وصل إلى نزاعات على ممتلكات وحقوق للمغتربين، خصوصا عندما تكون بعض المصالح أو الممتلكات مرتبطة باسم الكفيل أو بموافقته القانونية..
وهنا ينبغي أن تكون قضية اليمنيين في السعودية قضية دولة لا قضية أفراد، فالحكومة اليمنية في صنعاء مطالبة بأن تضع ملف المغتربين اليمنيين على رأس أولوياتها في أي مباحثات سلام قادمة، وان تفاوض من موقع الندية على ضمان حقوقهم وكرامتهم، وأن تعمل على إعادة الاعتبار للعلاقة التاريخية بين الشعبين، بما في ذلك بحث الصيغ التي كانت قائمة قبل اتفاقية ترسيم الحدود وما ترتب عليها من تغيرات في وضع اليمنيين داخل الأراضي السعودية..
لقد انتهى زمن العبودية في العالم، ولا يمكن أن تكون حرية الإنسان وكرامته قابلة للتجزئة.. فلا قيمة لمظاهر الانفتاح والرفاهية والمهرجانات إذا ظل العامل الضعيف عرضة للابتزاز أو الإهانة أو فقدان حقوقه بسبب نظام يمنح الكفيل سلطة واسعة عليه حد الظلم والطغيان..
(حياة الماعز) لم يكن مجرد فيلم هندي.. لقد كان مرآة وضعت أمام العالم صورة مختلفة عن الصورة التي تنفق الأموال لتقديمها.. وفي ساعتين ونصف استطاعت قصة إنسان واحد أن تفتح نقاشا واسعا حول الكفالة والاستغلال وكرامة العامل.
أما بالنسبة لليمن، فالمسالة اكثر عمقا.. إنها ليست فقط قضية عمالة يمنية في السعودية، بل قضية علاقة تاريخية بين بلدين وشعبين.. ولذلك فإن المطلوب ليس خطابا عاطفيا ولا خصومة مع الشعب السعودي، وإنما سياسة يمنية واضحة تدافع عن مواطنيها وتطالب بمعاملة تحفظ كرامتهم وحقوقهم، وتعيد للعلاقة اليمنية السعودية شيئا من التوازن الذي فقدته السياسة عندما تحولت الحدود من مجرد خطوط على الأرض إلى قيود على الإنسان.
فالإنسان اليمني الذي يذهب إلى السعودية بحثا عن لقمة العيش لا ينبغي أن يذهب بحثا عن سيد أو كفيل، بل بحثا عن فرصة عمل تحفظ له كرامته وحقوقه.. وهذه هي المعركة الحقيقية التي ينبغي أن تخوضها الدولة اليمنية: أن يصبح اليمني في الخارج مواطنا مصان الكرامة، لا سلعة تستغل حاجته، ولا عاملا يسلب منه ثلاثة أرباع جهده تحت عناوين قانونية مختلفة..
إنما كان معمولا به في عصور الرق والعبودية قد انتهى في العالم قاطبة، إلا بعض دول البترو دولار استطاعت بوقاحة أن تعيد صياغة بعض مظاهره في العصر الحديث من خلال نظام الكفيل، وما يرتبط به من رسوم وجبايات وتكاليف متعددة يتحملها العامل والمغترب، لتتحول إقامة العامل وعمله وحركته إلى مصدر دخل متواصل للكفيل..
والمشكلة لا تكمن في مجرد وجود رسوم أو تنظيم قانوني للعمل، وإنما في اختلال ميزان القوة عندما يصبح مصير المغترب مرتبطا بكفيل يملك سلطة واسعة على إقامته وعمله وانتقاله، فيجد العامل نفسه محاصرا بقيود تجعل حلمه في بناء حياته وفق جهده وعرقه اكثر صعوبة، مهما كان ما يقدمه من عمل وتعب..
لقد انتهى نظام الرق والعبودية بصورته الصريحة في العالم كله، لكن بعض مظاهر الاستغلال التي عرفتها تلك العصور يمكن أن تعود في ثوب قانوني حديث، فتتغير الأسماء وتبقى بعض الممارسات.. وهذا هو السؤال الذي يجب أن يطرح بوضوح.. هل يكفي أن تتغير التسمية من السيد إلى الكفيل، ومن العبودية إلى نظام الإقامة والعمل، اذا بقي العامل في وضع يجعله عاجزا عن تقرير كثير من شؤونه الأساسية؟
وبالنسبة لليمني، تزداد حساسية المسألة بسبب خصوصية العلاقة التاريخية بين اليمن والسعودية، وبسبب ما كان قائما قبل ترسيم الحدود من أوضاع ومعاملات مختلفة لليمنيين في الأراضي السعودية.. ومن هنا فان على حكومة أنصار الله، إذا كانت تعتبر نفسها ممثلة لمصالح اليمنيين، أن تضع قضية المغتربين في صدارة أولوياتها، وان تطالب بقوة بإلغاء كل ما يمس كرامة العامل اليمني أو يحوله إلى تابع اقتصادي وقانوني للكفيل..
كما ينبغي أن تفتح ملف اتفاقية الطائف بكل ما يتعلق بأوضاع اليمنيين، وان تطالب بمعاملة اليمني في السعودية وفقا لما كان معمولا به تاريخيا قبل التحولات التي فرضتها ترتيبات الحدود والإقامة والعمل، وبما يحفظ خصوصية العلاقة بين الشعبين..
المطلوب ليس معاداة السعودية ولا الشعب السعودي، بل إسقاط منظومة الاستغلال والقهر الطبقي والتمييز العنصري التي تجعل حاجة اليمني إلى العمل مدخلا للجباية والسيطرة.. فاليمني الذي يعبر الحدود بحثا عن رزقه لا ينبغي أن يفقد حقه في أن يعيش من عرقه، وان يبني مستقبله بجهده، وان يمتلك ثمرة عمله دون أن تتحول إقامته أو عمله إلى امتياز يمنحه شخص آخر أو يسلبه منه.. إنها في جوهرها معركة كرامة وحقوق، وليست معركة شعارات.. وعلى الدولة اليمنية أن تجعل من حقوق ملايين اليمنيين العاملين في السعودية قضية تفاوض سياسي وقانوني ثابتة، وان تنتقل من موقع الشكوى إلى موقع المطالبة الصريحة بمعاملة تحفظ للإنسان اليمني حقه في العمل والإقامة والملكية والعيش الكريم.



تمت طباعة الخبر في: الأربعاء, 21-أكتوبر-2026 الساعة: 11:39 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-69347.htm