الميثاق نت -

الجمعة, 07-أغسطس-2026
الميثاق نت - قسم‮ ‬التحقيقات‮ ‬: -
لم يعد هناك أي شك بحقيقة وبحجم الفساد المهول الذي يُمارَس في اليمن، فكل يوم تتكشف حقائق جديدة عن العبث الحاصل في أجهزة الدولة ومرافقها العامة.. مؤخرًا كشف تقرير أكاديمي خاص عن فساد يخص ملف الابتعاث في وزارة التعليم العالي بعدن خلال السنوات االماضي، الأمر الذي شكل صدمة للشارع اليمني؛ فاللجنة الأكاديمية التي كُـلّفت بمراجعة قوائم المبتعثين في الخارج وآليات الابتعاث، قدمت في تقريرها -مصحوبًا بمعلومات صادمة- كيفية وطريقة إدارة ملف المنح والبعثات، وكيف تم تسخيرها لصالح مسؤولي الشرعية على حساب المستحقين من المتفوقين دراسياً الذين اصطدموا بعقبات كثيرة حالت دون أخذ حقهم الطبيعي في الابتعاث والدراسة خارج الوطن..
استهل التقرير بالإشارة إلى تعطيل جهات رسمية نافذة في حكومة الشرعية الموالية للسعودية القانون الخاص للابتعاث رقم (19) لسنة 2003م.. وفي تطرقه للحديث عن المساعدات المالية التي تُمنح للطلاب الدارسين في الخارج، أكد التقرير أن هذا النوع مثَّل أكثر أنواع المنح التي شهدت مخالفات مهولة، بسبب اعتمادها على التوجيهات بدلاً من الإعلان والمفاضَلة، لكون حصول الطالب على المقعد الدراسي لا يأتي عبر الوزارة.. وأضاف التقرير: أن هذا النوع لم يخضع لأي معايير أو شروط ، بل من خلال توجيهات كانت تصدر من جهات متعددة، بينها رئاسة الدولة والحكومة وبعض المسؤولين والمحافظين وأعضاء مجلس النواب وشخصيات اجتماعية، إضافة إلى قيادات داخل الوزارة، وأشار التقرير إلى رصد حالات لطلاب مُنحوا مساعدات مالية رغم أنهم يحملون معدلات دراسية ضعيفة، والغالبية التي مُنحت هذه المساعدات كانت لطلاب من أقرباء مسئولي ما يُسمى حكومة الشرعية رغم أن بعضهم لديه القدرة المالية على تحمل تكاليف الدراسة.. ويضيف التقرير: أن هذا النوع من المنح الذي اعتمد على التوجيهات الشخصية، فتح الباب للتزوير بهدف الحصول عليها، مشيراً الى هذه القضية وصلت الى محكمة الأموال العامة بتزوير أكثر من 80 توقيعاً لوكيل قطاع الابتعاث، وهي القضية التي انتهت بإدانة أحد موظفي قطاع البعثات..

تخصصات متوافرة
التقرير انتقد بشدة استمرار ابتعاث مئات الطلاب لدراسة تخصصات إنسانية متوافرة في الجامعات اليمنية، رغم أن القانون يشترط قصر الابتعاث على التخصصات النادرة، كما سجل مخالفات في ابتعاث طلاب لدراسة اللغة العربية في دول آسيوية، واللغة الإنجليزية في دول لا تُعد وجهة أكاديمية لهذا التخصص، إضافة إلى ابتعاث أشخاص عبر وزارة الدفاع لدراسة تخصصات مدنية لا تمت بصلة للمجال العسكري.. موضحاً أن عدد مبتعثي الجامعات الحكومية في التخصصات الإنسانية بلغ 233 طالباً وطالبة، يمثلون 36% من إجمالي المبتعَـثين، بكلفة مالية تصل إلى نحو 1,733,520 دولاراً سنوياً..

تأهيل ديني
التقرير يُلمح بشكل ضمني في حديثه عن منح السودان إلى تورُّط حزب (الإصلاح) في هذا العبث بالنظر إلى سيطرته على الحكم هناك، حيث يُثير التقرير التساؤل حول أسباب تركيز جزء كبير من المنح في تخصص "الدراسات الإسلامية في السودان".. حيث يقول التقرير بأن ذلك "يستدعي إعادة النظر، ليس بسبب وجود ذلك التخصص في الداخل فحسب، بل من أجل عدم تركيز التأهيل الديني، لا سيما في الجامعات الحكومية، على مدرسة فكرية واحدة فقط، في ظل تعقيدات وحساسية الوضع الاجتماعي الداخلي، الذي يتطلب نشر ثقافة دينية معتدلة داخل المجتمع، وغير منحازة لطرف محدد أو لفكر واحد".. كما يُثير التقرير جانباً لافتاً من الفساد والعبث في جانب الابتعاث للتخصصات الإنسانية في الدراسات العليا رغم توافرها بالداخل.. يكشف التقرير أيضاً أن ملف الإضافات شكل أحد أبرز مصادر الخلل في عملية الابتعاث، حيث تمت إضافة 1565 حالة ابتعاث خلال عام واحد فقط، بكلفة تجاوزت 2.9 مليون دولار في ربع سنوي واحد، بينما بلغت تكلفة الإضافات في الربع الثالث وحده أكثر من 4.3 ملايين دولار سنوياً، في ظل غياب أي ضوابط أو معايير واضحة، ويؤكد التقرير أن هذه الإضافات لم تكن خاضعة لمعايير واضحة، وأنها جاءت في كثيرٍ من الحالات بناء على توجيهات شخصية وعلاقات واعتبارات غير أكاديمية، مشيراً إلى أن بعض ملفات الإضافات كانت تفتقر إلى قرارات ابتعاث أو وثائق مكتملة، وأن بعضها اعتمد على صور مرسلة عبر تطبيق "واتساب"..!!

أُسَر محتكرة
أبرز الفضائح التي كشفها التقرير، هي المنح التي حصل عليها الأقرباء بصورة أو بأخرى، حيث أشار إلى وجود 508 حالات إخوة بين المبتعثين، تراوحت بين شقيقين وحتى خمسة أشقاء من الأسرة الواحدة.. لافتاً إلى أن 13 عائلة فقط حصلت على 131 منحة دراسية، فيما وصلت حصة بعض الأسر إلى 16 منحة، في وقت لم تحصل فيه بعض الجامعات الحكومية سوى على مبتعث واحد فقط، في مؤشّرٍ وصفته اللجنة بأنه ينسف مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص..
وأوضح التقرير أن نحو 284 عائلة سيطرت على نسبة كبيرة من المنح الخارجية، كما رصدت اللجنة محاولات متعمدة لإخفاء صلات القرابة عبر تغيير الاسم الرابع أو حذف لقب العائلة، بهدف تجاوز الرقابة وإخفاء حجم الاستحواذ العائلي على المنح.. وفي هذا السياق، قالت اللجنة في تقريرها بأنها لاحظت من خلال كشوفات منح التبادل الثقافي استحواذ بعض أبناء موظفي السفارات على الكثير مقاعد المنح السنوية، في مخالفة للقانون الذي حدد فيه حق الدبلوماسي بمنحة واحدة فقط لأبنائه خلال فترة ابتعاثه؛ بل إن الأمر بلغ – كما يقول التقرير - إلى اعتماد خمسة وأربعة من أولاد موظفي السفارات، في حين تم ورود أسماء لطلاب ضمن كشوفات المنح المخصصة لأبناء السلك الدبلوماسي في إحدى السفارات لا تربطهم أي صلة قرابة لا من قريب أو بعيد بالموظف الذي حُسبوا عليه في السفارة..

سقوط الشعار
الناشطة سمية الفقيه تقول في هذا الصدد: أن المسؤول لا يُحكَم عليه بما يقوله، إنما بما يفعله ولحظة انكشاف أي ملف يثير شبهات فساد داخل الوزارة هي إحدى تلك اللحظات الفاصلة التي تميّز رجل الدولة عن مجرد شاغل للمنصب، في إشارةٍ منها لنفي تهم التحايل على المنح الدراسية.. وأضافت: أن ما أثير مؤخرًا حول ملف المنح الدراسية لم يكن مجرد خطأ إداري، إنما قضية هزت ثقة الشارع في واحدةٍ من أهم مؤسسات الدولة، لأنها تتعلق بحقوق الطلاب ومستقبلهم.. ولفتت إلى أن مثل هذه القضايا، لا يكفي أن يخرج الوزير السابق خالد الوصابي أو أنصاره بتوزيع المسؤولية على الآخرين، أو الاحتماء بعبارات من قبيل "توجيهات عليا" أو "ضغوط سياسية"، فهذه التبريرات، حتى لو صحت، لا تعفي الوزير من مسؤوليته السياسية، لكن قد تضاعفها.. وأكدت الفقيه أن الوزير ليس موظفًا ينفذ الأوامر بلا إرادة، وإنما هو المسؤول الأول عن وزارته؛ فإذا عجز عن حماية العدالة، أو مُنع من أداء واجبه، أو فُرضت عليه ممارسات تخالف القانون، كان الأَوْلى به أن يحترم نفسه ويحترم المنصب الذي يشغله، وأن يقدم استقالته للرأي العام، معلّـلًا ذلك بأنه يرفض أن يكون شاهد زور على العبث بملف المنح الدراسية..
الفقيه أشارت إلى أنه لو حدثت تلك الاستقالة لكانت سجلت له موقفًا أخلاقيًا وتاريخيًا، حتى لو خسر منصبه.. أما البقاء في المنصب ثم محاولة التنصُّل عن المسؤولية بعد مغادرته، فهو موقف لا ينسجم مع أبسط مبادئ المسؤولية السياسية..

ازدواجية الخطاب
ما يثير الاستغراب، أن الوزير ينتمي إلى حزب الإصلاح، وهو الحزب الذي طالما قدم نفسه باعتباره رأس حربة في مواجهة الفساد، ورفع شعار بناء الدولة وسيادة القانون والمحاسبة.. ولفتت الفقيه إلى أن هذه الشعارات تواجه امتحانًا عسيرًا؛ فإما أن تكون المبادئ ثابتة تطبق على الجميع، وإما أن تتحول إلى شعارات موسمية تُستخدم ضد الخصوم وتُنسى عندما يتعلق الأمر بالحلفاء.. الرأي العام لا ينتظر حملات دفاع منظمة، ولا بيانات تبرئة، ولا خطابات سياسية، لكنه ينتظر حقيقة واضحة، وتحقيق شفاف، ومحاسبة لكل مَنْ يثبت تقصيره أو تجاوزه، مهما كان موقعه أو انتماؤه، فالفساد لا يصبح مقبولًا لأن مرتكبه ينتمي إلى الحزب الذي يرفع شعار الإصلاح، كما أن الشعارات الكبيرة لا تمنح أصحابها حصانة من النقد أو المساءلة.. واختتمت الفقيه حديثها: أن ما تَجرعه اليمنيون من عذابات، جعلهم لم يعودوا يبحثون عن خطباء يجيدون الحديث عن مكافحة الفساد على المنابر وفي الاجتماعات، لكنهم يبحثون عن مسؤولين يثبتون ذلك بالفعل، ويغادرون مناصبهم عندما يعجزون عن حماية المال العام والعدالة، بدلًا من البقاء شركاء في المشهد ثم الادّعاء لاحقًا بأنهم كانوا مجرد متفرجين..

تغييرات ضرورية
من جهته يقول الناشط السياسي مختار الوصابي، إن فساد المنح والابتعاث الجائر وغير القانوني هو غيض من فيض، فهناك ملفات فساد كبيرة بانتظار أن تُفتح، مؤكداً أن الوظيفة العامة أصبحت مقرونة بالولاء للأطراف المتحاربة.. وما يدور في أروقة وزارة التعليم العالي بحكومة ما تُسمى الشرعية من فساد، نتيجة طبيعة للمحاصَصة الحزبية؛ ويجب فوراً بعد ما احتواه التقرير المذكور من مخالفات جسيمة أن تخضع قيادة الوزارة للتحقيق في العبث الذي مارسته خلال السنوات الماضية بحق الأجيال التي حُرمت من التعليم الجامعي في الخارج..
الجدير بالذكر أن التقرير أُعِد أثناء تولّي خالد الوصابي المحسوب على حزب الإصلاح منصب وزارة التعليم العالي بحكومة الشرعية الموالية لقوى العدوان، واحتوى التقرير على توصيات ومقترحات لإصلاح منظومة الابتعاث، أبرزها إجراء تغييرات واسعة في قيادة الوزارة بشكل عام، وفي قيادة قطاع البعثات بشكل خاص، وما بين الفينة والأخرى تتكشف المزيد من ملفات فساد مهولة خصوصاً فيما يتعلق بالنفط والغاز وإيرادات الموانئ والضرائب والجمارك وغيرها والتي تورد في حسابات بنكية خاصة لا يعلم أحد عنها، في الوقت الذي يرزح السكان في مناطق سيطرة حكومة العدوان تحت وطأة ظروف اقتصادية صعبة، ووسط انعدام تام للخدمات كالكهرباء والمياه والصحة والتعليم..
تمت طباعة الخبر في: الأحد, 25-أكتوبر-2026 الساعة: 02:38 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-69194.htm