الميثاق نت -

الإثنين, 18-مايو-2026
استطلاع / عبدالرحمن الشيباني -
لا يمكن لأحد إنكار الدور الذي تقوم به النخب الثقافية والسياسية، في تعميق وتأصيل القيم والمفاهيم الأصيلة، لاسيما الوطنية منها، والتي تكون دوماً في خضم خطاباتها.. وعليه تكون هذه المهمة كبرى وبحاجة لترسيخ هذه الأسس..
في اليمن كان الأدباء والمثقفون في طليعة من كتبوا وناضلوا من أجل الحرية والاستقلال إبان الحكم الأمامي شمالاً والاستعمار البريطاني جنوباً، ونادوا بوحدة الوطن، وعملوا على تحقيق الوحدة عبر مراحل نضالية متعددة قدمت تضحيات جسّام، وهم اليوم في الصفوف الأولى للدفاع عنها أمام مشروع الانفصال الذي يتم التسويق له..
لقد كان الأدباء والمثقفين كما يقول الكاتب الراحل حسن عبدالوارث أعلى الفئات الاجتماعية صوتاً في مسرح الأحداث السياسية والفكرية في تلك الفترة، وتأسيساً على هذه الحقيقة كان لزاماً على هذه النخبة أن تضطلع بدور ريادي وقيادي في مسار التنوير والنضال الواعي تجاه أكثر القضايا الوطنية حيويةً ومصيريةً وفي مقدمتها: وحدة اليمن..
ويشير عبدالوارث إلى أنه في مطلع السبعينيات ( أكتوبر 1970م ) دعوا للالتئام ضمن إطار رسمي علني اتّسم بصفة فكرية وإبداعية أكثر منها سياسية، وإنْ كان الصوت السياسي بدا مرتفع النبرة في خطاب اتحاد الأدباء والكُتَّاب اليمنيين منذ لحظة إشهاره.. ففي ظل التشطير القائم في البلاد التي كانت تاريخياً موحدة، التأمت طليعة مثقفي اليمن يتقدّمهم أبرز أدباء وأساتذة ومبدعي البلاد لإعلان قيام الاتحاد الذي كان أول ضربة معول في تمثال التشطير والتشرذم الذي تعانيه اليمن منذ الاحتلال العثماني، ثم الحكم الإمامي في شمالها والاستعمار البريطاني في جنوبها، وانتخب شاعر اليمن الكبير عبدالله البردوني رئيساً لهذا الكيان الذي توحّد قبل وحدة البلاد بعقدين من الزمان ( تحققت هذه الوحدة يوم 22 مايو 1990م ).وقد كانت هذه النخبة تعكس في هوياتها الفكرية وانتماءاتها السياسية كل أطياف التنوع السياسي والفكري في المجتمع اليمني (يسارية وإسلامية وقومية وليبرالية) عدا الجهوية الجغرافية التي شملت معظم المناطق في جنوب اليمن وشمالها، ولم يَبْدُ قط أن طيفاً سياسياً أو فكرياً أو جهوياً قد غلب على سواه، فقد جاء هذا الكيان وطنياً وحدوياً بكل معنى الكلمة، وبما يُشرّف نخبة ثقافية طليعية حقّة استطاعت أن تحافظ على التنوع والتعدد في بوتقة واحدة..
السؤال الذي يطرح نفسة اليوم هل يلعب المثقف اليمني دوره المناط به في الدفاع عن الوحدة اليمنية كمطلب جماهيري ووطني لا يمكن المساس به والتي تتعرض اليوم لهجمة شرسة واستهداف ممنهج لضربها تحت يافطات ما أنزل الله بها من سلطان..؟

أمانة في أعناقنا
الدكتور مقبل أحمد العمري يشير إلى أن هذه الذكرى ليوم العز والفخار يوم إعادة تحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990م، وهو اليوم الوطني الحق لليمن وللجمهورية اليمنية شمالها وجنوبها، وشرقها وغربها، لافتاً إلى أن هذه الذكرى العظيمة تأتي والوحدة اليمنية لا زالت صامدة على الصعيد النظري، بالرغم مما يمارس ضدها من النقائض والمؤامرات..
إن كل تلك القوى والكيانات المتحكمة على الأرض لا تستطيع إنكارها أو التقليل من أهميتها كخيار وطني لا بديل عنه، وهذا يدل على أن الوحدة اليمنية المباركة محروسة بعين الله سبحانه وتعالى، وبوعي الشعب اليمني وتمسكه بها، لأنها ثمرة عقود طويلة من النضال الوطني، سفكت من أجلها الدماء وأرخصت من أجلها الأرواح .. لقد ساهم العدوان والحصار السعودي في التأثير على ديناميكية الوحدة على الأرض وحاول أن يزرع الخلافات بين أبناء الشعب الواحد، وفرض أشكال من الانفصال هنا وهناك تحت ذرائع شتى منها استثماره السيئ لما سمي بالقضية الجنوبية التي أخذت بعداً انفصالياً مناطقياً وسياسياً أكثر مما ينبغي، حتى أدت إلى الاقتتال بين اليمنيين في المحافظات الجنوبية وإراقة الدماء الطاهرة وإزهاق الأرواح البريئة من أبناء الشعب وأفراد الجيش والأمن..
وأضاف العمري" لقد مثلت التدخلات الخارجية والإقليمية منذ بداية الحرب والعدوان على اليمن تهديداً مباشراً للوحدة اليمنية، وفضلاً عن تهديد الوحدة خلقت تلك التدخلات المزيد من مبررات التحكم في الشأن اليمني، حتى خُيّل لنا أن الحفاظ على الوحدة اليمنية أصبح شأناً إقليمياً وليس يمنياً صرفاً، وأصبحنا نترقب ما سوف تقرره مؤتمرات الرياض وأبوظبي وغيرها عن وحدتنا ومصيرها ومستقبلها، ونحن الذين صنعناها بأيدينا لا بأيديهم..

أصوات وحدوية
إن الوحدة اليمنية اليوم قد أصبحت أمانة في عنق كل يمني وطني حر .. هي أمانة في أعناقنا جميعاً فلنحملها، وبأيدينا فلنتمسك بها، وندافع عنها، وفي أقلامنا فلنكتب عنها، وفي أصواتنا فلنرفعها دون خوف ولا وجل من أحد كائناً من كان.. الوحدة اليمنية اليوم هي عهد وعهدة الأحرار وهي أمانة السياسيين الشرفاء والعسكريين الأبطال والمناضلين المدنيين المخلصين، وهي أمانة الإعلاميين والمثقفين والكتاب، والمشاهير ورجال المال والأعمال ، والقطاع العام والخاص.. وهي كذلك أمانة في أعناق الأحزاب والتنظيمات السياسية وصحافتها، وقنواتها، ومواقعها الالكترونية ، وأدبياتها وبرامجها..
وأشار العمري إلى أن الوحدة اليمنية ليست ملكاً لأحد .. ليست ملكاً للمؤتمر الشعبي وحده، ليكون هو المدافع الوحيد عنها، بل هي ملك الشعب اليمني كله، والدفاع عنها هو عمل وطني ينبغي أن يشترك فيه الجميع، وشرف يجب أن يناله كل أبناء الشعب.. نقولها بملئ الفم نعم للوحدة اليمنية المباركة لا للدعوات التشطيرية والتمزيقية أيا كان مصدرها..
ودعا العمري كل فئات الشعب وقواه الحية إلى وقفة حازمة ودائمة في مواجهة الدعوات الهدامة وأن لا تجعل الوحدة اليمنية مجرد ذكرى سنوية بل ممارسة يومية لقيم الوحدة، ومناهضة مستمرة لقيم الانفصال..

وعي جمعي
الصحفية زكية الفقيه تقول في هذا الصدد: تُعدّ ذكرى الوحدة اليمنية مناسبة وطنية تستدعي وقفة جادة من النخبة المثقفة، كونهم "صمام أمان" الوعي الجمعي في مواجهة الأزمات، وفي ظل التحديات والدعوات التشطيرية، يتجاوز دور المثقف من مجرد التوصيف إلى التأثير الفعلي..
وترى الفقيه أن هناك عدة مسارات جوهرية لتفكيك الخطاب التشطيري وبناء بديل وطني، يجب على المثقفين التصدي للخطابات التي تكرس الكراهية أو المناطقية، عبرالنقد المنهجي، وكشف المآلات الكارثية للتمزيق، وتوضيح أن الأزمات السياسية أو الإدارية لا تُحل بتقويض الكيان الوطني، بل بإصلاح منظومة الحكم. وتعزيز الهوية الجامعة، أي إعادة إحياء المشتركات التاريخية والثقافية التي تسبق الوحدة السياسية، للتأكيد على أن الوحدة هي "حالة شعورية ومصيرية" وليست مجرد قرار إداري وممارسة "النقد البنّاء" لا "التبعية"، فدور المثقف ليس التبرير، بل التنوير..
وهذا يتطلب كما تقول الفقيه: لا بد من تشخيص الأخطاء بشجاعة .. الإقرار بالمظالم والسياسات الخاطئة التي حدثت في الماضي، وتقديم رؤى علمية لمعالجتها في إطار الدولة الموحدة (مثل مخرجات الحوار الوطني والعدالة الانتقالية) ورفض الاستقطاب، الحفاظ على استقلالية الرأي بعيداً عن التجاذبات السياسية الممولة، ليكون صوت المثقف مرجعاً موثوقاً للشارع، والتوعية بمفهوم "الدولة الحديثة"..
وتؤكد الفقيه أن الدعوات التمزيقية غالباً ما تتغذى على الفشل في تقديم نموذج دولة ناجحة، لذا ينبغي للمثقفين: نشر ثقافة الدولة الاتحادية وتبسيط مفاهيم الشراكة الوطنية وتوزيع السلطة والثروة، والمواطنة المتساوية، كبدائل واقعية تحمي الوحدة وتلبي تطلعات الناس في الاستقرار..

جذور وطنية
وتضيف الفقيه: إن العدالة والمساواة هما التأكيد على أن صيانة الوحدة تبدأ من صون كرامة الإنسان اليمني في كل شبر من أرضه..
وبالنسبة للمسار الثقافي والتربوي فهو يتمثل بالإنتاج المعرفي: تأليف الكتب، وكتابة المقالات، وإنتاج المحتوى الرقمي الذي يوثق نضالات اليمنيين من أجل الوحدة، وربط الجيل الجديد بجذورهم الوطنية.. ولا ننسى دور الفن والأدب من خلال استخدام الشعر، الرواية، والدراما لتعميق قيم التسامح والتعايش، وتصوير الوحدة كمنجز حضاري يحمي السيادة الوطنية..
وتخلص الفقيه إلى أن معركة الحفاظ على الوحدة في جوهرها هي معركة وعي، والمثقف هو القائد في هذه المعركة؛ فإما أن يسهم في ردم الفجوات وبناء الجسور، أو يترك الساحة لخطابات التجزئة لتمزيق النسيج الاجتماعي..
إن المسؤولية التاريخية تحتم على المثقف اليمني اليوم أن يكون صوتاً للحل، لا صدىً للأزمة..

اليمن تاريخياً
الباحث زيد المحبشي يقرأ الموضوع من ناحية تاريخية، موكداً أن وحدة اليمن أرضاً وإنساناً من المسلمات الثابتة ثبوت وجود الشعب اليمني والأرض اليمنية منذ أن تمكن يعرب بن قحطان الجد الجامع لهذا الشعب من إقامة أول وحدة يعربية يمانية في الألف الخامسة قبل الميلاد، ومن حينها شكلت الوحدة الهدف الجامع لكافة ملوك وأمراء اليمن سواء في التاريخ القديم أو الوسيط أو الحديث، والسمة الغالبة على تاريخ هذا الشعب والقاعدة العاكسة جوهر الإرادة اليمنية الطامحة دوماً إلى التوحد والاتحاد باعتبار ذلك من عوامل القوة في مواجهة أخطار الطبيعة وتطويعها لصالح الإنسان اليمني ومواجهة الأطماع الخارجية بعناوينها المختلفة..
ويضيف المحبشي: لقد شكلت حالة التجزئة والانشطار التي شابت اليمن في بعض المراحل التاريخية على مر العصور ظاهرة استثنائية وعابرة فرضتها ظروف استثنائية وصنعتها إرادة غير يمنية أي أنها لم تكن في يوم من الأيام أمراً طبيعياً بل ظاهرة غريبة ودخيلة على اليمن وشعبه وتاريخه الوحدوي المشرق..

استقرار سياسي
ويسترسل المحبشي: رغم ما صاحب ذلك من جدل عقيم حول ما إذا كانت الوحدة القاعدة والتجزئة الاستثناء أم العكس؟ فما نجده من خلال قراءتنا السريعة لتاريخ اليمن الوحدوي منذ الألف الخامسة قبل الميلاد، وحتى استعادة اليمن عافيته والتئام جسده الواحد في 22 مايو 1990م هو تأكيد حقيقة أن فترات التوحد كانت على الدوام الأطول زمنياً وكانت على الدوام عامل أمان واستقرار وانتعاش اقتصادي وفكري وحضاري ليس لليمن فحسب، بل ولمحيطها الإقليمي.. مشيراً إلى أن فترات التجزئة في اليمن كانت قصيرة جداً؛ كما أن ما شهدته اليمن من ممالك ودول متعددة سواء قبل الإسلام أو بعد استقلال اليمن عن الدولة العباسية وصولاً إلى العام 1914م إنما كان تعدد وتنوع يثير قاعدة التوحد..
ويعزو المحبشي ذلك لسببين كما يقول وهما: استمرار بقاء التواصل والاتصال الثقافي والمعيشي، ناهيك عن حرية تنقل الناس فيما بينها وعدم تجاوز سقف الاختلاف المستوى السياسي دون أن يتعداه إلى المستويات الأخرى سواء كانت اقتصادية أو ثقافية أو اجتماعية، وهو ما حافظ على وحدة الشعب ووحدة خصائصه، كما لم تشهد تلك الفترة وجود حدود سياسية مرسومة بالمعنى المتعارف عليه بين الدول..

أهمية الوحدة
من جانبه يرى الكاتب عبدالرقيب الهدياني أن الوحدة اليمنية شكلت نقطة تحول كبيرة في حياة الشعب اليمني الذي نال احترام العالم .. وأشار إلى أن في هذا الظرف العصيب يتأكد أهميتها والشعب اليمني متمسك بها لأنهم ببساطة رأوا البديل كيف كان، لقد رأى الناس التشتت الحاصل في فترة عصيبة عاشوها في ظل تمزق وانهيار قامت به مجموعة ميليشياوية تدعي الانفصال، والتي لم تقدم للناس الخدمات ولا الأمن، هذه الجماعات تحمل أفكاراً مشوهة وتعمل على تزييف التاريخ لأنها تمول من الخارج، لذلك نحن نسأل من سيواجه هذا المشروع الخارجى الذي ينفذ بأيدٍ داخلية؟ بالتأكيد هي الوحدة وفي إطار اليمن الكبير.. الوحدة هي التي تشكل الأرضية المتينة لمقاومة مشروع الانفصال، الذي تسيَّد المشهد في الجنوب وحكم بالحديد والنار ومارس الاغتيالات وفتح السجون لأصحاب الرأي من مثقفين وناشطين، وحتى أناس عاديين مارسوا حقهم في نقد تجاوزاتهم الخطيرة .. لم يحصل في التاريخ اليمني أن قامت ميليشيات بغزو محافظات مسالمة كما هي حضرموت والمهرة إلا في زمن الانتقالي المنحل.. نحن اليوم أحوج للوحدة أكثر من أي وقت مضى، فهي ملاذ الجميع للهروب من الفوضي..
ويختتم الهدياني بالقول: إن دور المثقفين اليوم هو كشف الحقائق للناس وتعرية مشاريع التمزق، كذلك الفنانين وخطباء المساجد يجب أن يمارسوا دورهم في التوعية بفضائل الوحدة، وفضح مشاريع التمزق التي أدت إلى ما نعيشه اليوم.
تمت طباعة الخبر في: الجمعة, 30-أكتوبر-2026 الساعة: 05:55 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68868.htm