الميثاق نت -

الإثنين, 27-أبريل-2026
الميثاق نت - تحقيق/ بليغ الحطابي: -
على نحو يثير القلق، تتزايد أعداد مرضى السرطان في اليمن، في ظل استمرار حالة الصمت والتجاهل لأهم عوامل وأسباب انتشاره.. وتُـعد المبيدات الحشرية الزراعية المحظورة والمنتهية الصلاحية المنتشرة في الأسواق أهم عوامل الإصابة بالمرض الخبيث إلى جانب أمراض أخرى..
مأساة الزميل محمود الحداد هي واحدة من عدد لا حصر له من المآسي، غالباً في المعاناة مع أمراض خطيرة كـ"السرطان" وأمراض الكبد، حيث تكتظ المستشفيات بالمرضى وكذلك المطارات بالنسبة للمسافرين بغرض العلاج خارج البلاد.. لكن التأثير لا يقتصر على الحالات المشخصة سريرياً أو حتى على الإنسان، إذ أن البيئة والنبات نفسه ضحية أيضاً للاستخدام المفرط للمبيدات بكميات وأنواع قاتلة ومسرطَنة تهدّد الحياة.. امراض ناتجة عن وجبات يأكلونها أو روائح يستنشقونها، غالبيتها ملوثة بمبيدات حشرية سامَّة محرَّمة دوليًّا..
في حديثه لـ"الميثاق" يشير الدكتور سالم عبدالله، وهو طبيب يمني، إلى تزايد أعداد مرضى السرطان في اليمن خلال السنوات الأخيرة لأسباب عدة؛ أبرزُها استهلاك اليمنيين واليمنيات نبتة "القات" والفواكه والخضروات التي يتم رشها بمبيدات حشرية سامّة..

أرقام..
وتشير التقارير الحديثة (2025-2026) عن مستوى انتشار الأمراض إلى تزايد أعداد المصابين بالسرطان في اليمن، حيث يسجّل أكثر من 35 ألف حالة إصابة جديدة سنوياً، وحصيلة وفيات سنوية تصل إلى نحو 15 ألف حالة.. فيما يُقدر المصابون التراكميون خلال السنوات العشر الأخيرة بنحو 350 ألف إصابة.. فيما تُـعد سرطانات المعدة والكبد والفم والوجه من أكثر السرطانات انتشاراً إلى جانب سرطان الثدي.. يمثّل الأطفال نسبة 12٪ من أعداد المصابين..
ومع استمرار الحال على ما هو عليه وانتشار أسباب وعوامل الإصابة، يتضاعف قلق الناشطين في مجال مكافحة السرطان، إذ يرون أن تزايد أعداد المصابين يمثّل قضية مؤرقة، ويؤكد الفجوة الكبيرة القائمة بين الواقع وما هو مطلوب لمواجهته..
إذ يرون أن مرضى السرطان باتوا في مواجهة مفتوحة مع الموت..
وينتقد أطباء ومختصون الاستخدام العشوائي والمفرط للسموم والمبيدات دون وعي أو إرشادات صحية.. وحمَّلوا وزارة الزراعة المسؤولية في دخول مبيدات ذات سُمّية عالية ومحظورة عالمياً، إضافة إلى مبيدات منتهية الصلاحية قد تحولت إلى مخلفات كيميائية تدخل البلاد بتصريحات رسمية..
وذكرت تقارير حديثة ارتفاع نسبة المصابين بالسرطان ويواجهون خطر الموت..

تَسرُّب الجريمة...
وتتسرب إلى الأسواق اليمنية عشرات الأصناف من المبيدات الزراعية المحرمة دولياً، والتي تُستخدم -بحسب مزارعين لـ"الميثاق"- للتسريع في عملية إنبات شجرة القات وأيضاً بعض الخضار والخضروات..
وتقول جمعية حماية المستهلك إن التقارير الرسمية خلال السنوات الثلاث الأخيرة أضعاف ما كان يُستورد سابقاً..
ويتساءل فضل منصور رئيس الجمعية عن أين تذهب هذه الكميات من المبيدات، وكم المساحة الزراعية التي تحتاج للسموم، وهل اليمن بحاجة لهذه الكميات المخيفة.. هذه فقط، حسب منصور الكميات المصرح بها رسمياً خلافاً عن المهربة وغير المعروفة المنشأ والمحظورة التي تدخل البلاد بأوامر عليا..
وتؤكد جمعية المستهلك أن المبيدات تقتل كل كائن حي، وأن التحدّي الذي يواجهه المستهلك اليمني اليوم هو منتجات زراعية لا يعرف نسبة بقايا السموم والمبيدات فيها، مما يؤدي إلى انتشار كثير من الأمراض كالسرطان وغيره، ويدمّر النظام البيئي للبلد، نتيجة الاستخدام المفرط ونتيجة للمحظورة والمحرمة دولياً أو تلك شديدة السمية..

خطر قاتل..
فيما يرى الأكاديمي المتخصص عبدالرحمن ثابت، أن هذه المواد تشكّـل خطراً قاتلاً على صحة اليمنيين كمستهلكين..

تداعيات..
ويؤكد الدكتور ثابت أن الكثير من المزارعين يتجاهلها، إذ أن بعض أنواع المبيدات قاتلة لاحتوائها على درجة سُمّية عالية، كما تتسبب بوقوع أضرار فادحة على الزراعة والشجرة نفسها؛ إلى جانب أنها قد تتسبب في تغيير البيئة الخصبة للأرض الزراعية..
ويرجع ذلك إلى درجة الأمية لدى المزارع وأيضاً لعدم التزام أصحاب المحلات المبيدات والعاملين فيها بإعطاء المزارع الإرشادات والتعليمات الصحيحة لكيفية الاستخدام، ودواعي الحيطة والأمان في الاستخدام..

أضرار بالغة..
وفي حديثه قال الدكتور عبدالرحمن: “ تتسبب المبيدات بحدوث تشوُّهات في الأجنة لدى الأمهات خلال فترة الحمل (الأشهر الأولى) حين تقوم الأم بتعاطي أغصان نبات القات! علمياً تحسب الجرعة السامة بالملي جرام لكل كيلو جرام من وزن الإنسان؛ فنجد الأم لو حصل لها مغص بسيط، ووزنها 70 كيلو والجنين عندنا وزنه نصف كيلو (1-2 كيلو في المراحل الأخيرة للحمل) فتكون الخطورة على الجنين بشكل أكبر، حيث تتركز فيه التشوُّهات”.
ويضيف الدكتور عبدالرحمن: “فمثلاً قبل سنوات أجرينا دراسة في مستشفى السبعين للأمومة والطفولة بصنعاء، ووجدنا تشوُّهات في الأجنة بشكل مرعب لدى النساء اللواتي يتعاطين القات، حيث أظهرت النتائج 800 حالة تشوُّه في الأجنة خلال فترة الحمل”..

جولة ميدانية..
في جولة لـ"الميثاق" لسوق المبيدات الواقع بمنطقة شعوب بأمانة العاصمة، تكاد تنبهر من أنواع وحجم السموم الموجودة، وطبعاً ليس المعروض هو جميع ماهو متواجد في اليمن، إذ أن مئات الأطنان تحتويها مخازن المبيدات والسموم التي تنتشر في العاصمة والمحافظات؛ فهذه الأصناف تفتك بصحة اليمنيين وتساهم بشكل كبير في مضاعفة معاناة اليمنيين.. يحدثنا أحد العاملين في المحلات، تحتفظ" الميثاق" باسمه، عن فوضى لا محدودة لسوق المبيدات التي تمضي بلا ضوابط حد قوله، وبعشوائية مريبة، كل هَمّ مالك المحل هو البيع فقط، أياً كانت درجة السمية أو الخطورة، وأيا كان الصنف محرماً أو محظوراً أو حتى منتهي الصلاحية.. وهذه حسب قول العامل، تسبب أمراضاً خطيرة كالسرطان وغيره، سواءً للمزارع أو للمستهلك..

السرطان يلاحق المزارعين أيضاً
ونتيجة للاستخدام الخاطئ والعشوائي للمبيدات يؤكد لـ "الميثاق" المزارع عبدالله حسن، من أبناء بني حشيش، أن الفلاحين عندما يستخدمون المبيدات بطرق خاطئة وعشوائية، دون الوعي بخطورة تأثيراتها، يؤثّر ذلك على صحتهم أيضاً ويكونون عرضة لأي إصابة أو مرض قبل المستهلك..
ويضيف: لذلك نجد الكثير منهم يسافرون للعلاج في الخارج بعد إصابته بالسرطان أو أمراض أخرى..
وفي هذا يعلّق الدكتور عبدالرحمن ثابت، بالقول: “في اليمن تُستخدم المبيدات بطرق خاطئة.. من حيث التطبيق أولاً: لا يهتم المزارع بالتوقيت المناسب للرش، وما هي الآفة التي يكافحها!”..
ويضيف البروفيسور ثابت: يرش المُزارع المبيدات عكس اتجاه الريح، وأغلبية المزارعين وأسرهم في حالة يُرثى لها..

دراسة ميدانية..
ومن خلال دراسات ميدانية في محافظة ذمار وجدنا كثيراً من الأمراض السرطانية منتشرة في المزارعين أنفسهم وأبنائهم نتيجة الاستخدام الخاطئ للمبيدات، بالإضافة إلى أنهم لا يلتزمون بفترة الأمان بعد رش المبيدات..
ويضيف: “أيضاً جني محصول القات.. هناك مواد هرمونية تُضاف للقات هي التي تعمل على هيجان النمو الخضري، فنجد المادة الفعالة للمبيد حسب الإرشادات الدولية أنه في المناطق البادرة مثلاً لازم تنتظر من 25 يوماً إلى شهر لا تجني المحصول.. وفي المناطق الحارة يمكن تقل لأنه يحدث النتح”.. فيقوم المزارعون المحليون بجَني المحاصيل مثل: القات، والخيار، والطماطم، بعد 3-4 أيام من رش المبيدات، مما يفاقم المخاطر الصحية بشكل كبير..

سُمّية مزمنة..
ويضيف الدكتور عبدالرحمن ثابت -أستاذ سُمية المبيدات بجامعة صنعاء: “لدينا مخاطر تُدعى سُمّية حادة، يعني أن المستهلك سلعة غذائية وأنا أركز على القات لأنه لا توجد لدينا سلع خضار أو فاكهة تُستخدم عليها المبيدات بهذا الشكل الكثيف؛ ذلك أن 80% من المبيدات تُستهلك على شجرة القات”..
“إذن ما يحصل، حسب الدكتور ثابت، بالبداية هو سُمّية حادة، يعني أن أي شخص مستهلك للقات يبدأ يشعر بنوع من الغثيان، زغللة في العيون، مغص، قيئ، وإسهال كأعراض بسيطة لمدة 24 ساعة طيلة فترة تعاطي القات وتنتهي”..
“لكن الخطورة هي السُّمّية المزمنة والتي تحصل نتيجة تراكم المبيد لمدة سنة أو سنتين أو عشر سنوات، فتبدأ تظهر خلال هذه المرحلة الأمراض كالسرطان وتشوُّهات في الأجنة وغيرها من الامراض”..
وترجّح المصادر الطبية أن يكشف تحليل تلك البيانات عن مسؤولية نبتة «القات» بنسب كبيرة في تلك الأمراض، نتيجةً لاستخدام مزارعي هذه النبتة المبيدات بشكل مفرط..
وحسب مركز علاج الأورام في صنعاء، فإنه يستقبل نحو 200_150 حالة يومياً من مختلف المحافظات، ويسجل سنوياً نحو 6 آلاف حالة مرضية جديدة، فيما وصل أعداد المرضى المسجلين فيه إلى أكثر من 80 ألف مريض، بينما يتردد أكثر من 40 ألف مريض سنوياً على المركز..
واعترف مسؤولون بوزارة الزراعة عن ظاهرة تهريب المبيدات ذات التأثير الخطر.. فيقول مسؤول سابق بالوزارة إن التهريب بآلاف الأطنان ويتزايد سنوياً بشكل مريب.. ويقول: فبينما ما تم إدخاله بطريقة رسمية نحو 1000 طن؛ بينما ما دخل بطرق غير شرعية يتجاوز عشرات الأضعاف.. ويضيف: رغم التفتيش المستمر والرقابة في المنافذ إلا أن التهريب يتزايد بصورة ملفتة ومدمّرة للبلاد..

مكب نفايات العالم..
خطر إدخال المبيدات الزراعية وتحديداً عبر التهريب كبير جداً، ليس لأن التهريب يدمّر الاقتصاد فقط، وإنما لأن المواد المهربة عموماً، لا تخضع للفحص وفق المواصفات والمقاييس، وغالباً ما تكون ضمن المواد غير المرخصة، ولهذا نجدها مواداً سامة وقاتلة، وبخاصة المبيدات المصنفة بالأكثر خطراً، حيث تتحول منتهية الصلاحية منها إلى نفايات كيميائية..
وهنا تبحث الدول المصنّـعة عن طريقة للتخلُّص منها وتدفع مبالغ كبيرة لِمَنْ يساعدها في ذلك، بمعنى أن الشخص الذي يُدخِل مبيدات منتهية أو فاسدة هو في حقيقة الأمر لم يشترها، بل إنه قبض مبالغ كبيرة جداً نظير قيامه بإخراجها من بلد المنشأ، فهناك بعض التجار قاموا بإدخال شحنات غير فعالة كيميائية عبر التهريب لغرض التخلُّص منها، وقبضوا ملايين الدولارات.. كما يقول ناشطون..
أما مسألة إدخالها إلى اليمن فهذا له أجور جانبية أيضاً باعتبارنا بلداً مستهدَفاً ومعتدَى عليه كونياً في ظل صمت وتواطؤ دولي..

عجز حكومي !!
ففي إهمال حكومي لافت تبيّن الوثائق عدم قدرة الحكومة على التخلُّص من شحنة مكونة من 6 حاويات من المبيدات منتهية الصلاحية، تم إدخالها عبر أحد التجار، وتم التحريز عليها.. فلم تستطع إصدار قرار بإعادتها إلى بلد المنشأ، أو التخلُّص منها منذ ستة أعوام.. ولا تزال حكومتنا حتى هذه اللحظة عاجزة عن إعادتها أو إتلافها..

حملة.. ووثائق إدانة
وضمن حملة بدأها ناشطون انتشرت وثائق مسربة على نطاق واسع حول مخاطر استخدام المبيدات الزراعية، وأثارت جدلاً مع توجيه أصابع الاتهام إلى قيادات حكومية بوزارة الزراعة والمؤسسة العامة للخدمات الزراعية، متورّطة في السماح بالاتجار بمبيدات كيميائية محظورة..
دفع ذلك مهدي المشاط، رئيس المجلس السياسي الأعلى، لتناول القضية الشائكة في اجتماع سابق بقيادة الزراعة، حيث أكد أن المخاوف التي أُثِيرت بشأن استخدام المبيدات المحظورة وآثارها الضارة المحتمَلة على الصحة العامة والبيئة لا أساس لها من الصحة، ووصف الحملة بأنها جزء من مؤامرة دولية..
وأشار المشاط إلى أن مبيد “بروميد الميثيل” كان يُستخدم في جميع أنحاء العالم قبل أن يتم التخلُّص منه تدريجياً بموجب ما أسماه "بروتوكول في أوروبا" والذي اعتبر أن المادة تؤثّر على طبقة الأوزون..
زاعماً أنه لا توجد إشكالية لاستخدامه في اليمن “لأنه لا توجد مشكلة في طبقة الأوزون” ولا تعاني البلاد من الاحتباس الحراري..
وأضاف المشاط: أن الضجة المثارة حول الوثائق المسربة والقلق من الآثار المسرطنة للمبيدات الكيميائية المحظورة ” يأتي في سياق تشويه وضرب المبيدات لمنع مكافحة الأوبئة والآفات التي يُراد نشرها في المنتجات الزراعية في الجمهورية اليمنية”،
مشيراً إلى أن الحملة التي تُثار حول موضوع المبيدات “تتناغم مع توجُّه الخلايا التجسُّسية داخل اليمن لتدمير العملية الزراعية، ولن نسمح بهذا”..

جريمة تشارُكية..
في السياق يشير الباحث خالد العراسي، الى تواطؤ مريب تجاه ما أسماها "جريمة تشارُكية" مرتكَـبة من قِـبَل كل من وزارات "الزراعة والصحة والمياه والبيئة والصناعة".. لتعمُّد قتل المواطن وتدمير الأراضي الزراعية وتسميم الآبار وتلويث البيئة..
ويقول: حين تفشل جهات كهيئة الفساد ومكتب الرئاسة والنيابة وغيرها في إيقاف دخول شحنة مبيد اتضح أنه فَـتَّاك تم حظر دخوله واستخدامه في كل بلدان العالم وفق تشريعات دولية، فإن ذلك يعني أن هناك لوبياً أكبر من الدولة، أو أن تلك التدخُّلات والرسائل مجرد إسقاط واجب وأن الأكيد هو العكس.. وإلا ماذا يفسّر دخول شاحنة مبيد "بروميد ميثيل" الإسرائيلية المصنع التي أكدت أبحاث أنه سُم قاتل.. وسبق أن استُخدم في جمهورية مصر وتسبَّب في كوارث بشرية وزراعية لا تزال تعاني منها حتى اليوم..
وهذا النوع تم التصريح الرسمي من وزارة الزراعة المؤسسة العامة للخدمات الزراعية باستخدامه، وأيضاً مراسلات بين السلطة المحلية بصعدة ووزارة الزراعة للسماح باستخدامه..

نفايات الجراف..
مَنْ مِنا لا يتذكر قضية دفن أطنان نفايات المبيدات في منطقة الجراف شرق العاصمة من قِـبَل أحد تجار المبيدات؛ فيما لم يتم معاقبة الجاني ومَنْ حاول قتل وتدمير الحياة؛ بل ذهبت القضية أدراج الرياح.. واليوم هناك عشرات التجار بلا ضمير وبلا أخلاق يكرّرون ذات الخطأ بتصريح رسمي وتواطؤ صارخ من جهات اعتبارية.. فلو تم اتخاذ إجراء رادع وصارم لما تجرأ أحد بالعبث بحياة المواطنين وتدمير اقتصاد البلد وشن حرب تهلك الحرث والنسل وتدمر الأجيال..

غياب الرادع..
حيث يرى مختصون أن غياب الرادع والعقاب شجَّع كثيرين على سلك هذا السلوك والدخول في مثل هذه التجارة المحرمة والمجرمة قانوناً، بل وشجَّعهم على التمادي والاستمرار أيضاً.. وحوَّلتهم هذه التجارة إلى أثرياء ودكاكينهم تحولت إلى مؤسسات تتاجر في الموت وترتكب الجرائم في غياب القانون وأدواته..

وزارة الزراعة تشارك في الجريمة..!
تؤكد المعلومات التي حصلنا عليها، وأيضاً محاضر رسمية، اطلعت عليها "الميثاق" أن وزارة الزراعة تقوم بسحب جميع المبيدات منتهية الصلاحية المتواجدة في المنافذ الجمركية أو تلك التي تصادرها من المحلات ومخازن التجار كمواد منتهية الصلاحية لتقوم بتوزيعها وبيعها للمزارعين، ولهذا يشكو كثير من المزارعين من عدم فاعلية المبيدات ليفاجَأ في فترة بعدم فائدة المبيد المستخدم بل عمل على إهلاك المزروعات أو الشجرة، كما حدث لبعض المزارعين بهلاك شجرة العنب في بني حشيش الذين أكدوا إحراق مَزارعهم بعد استخدام مبيدات منتهية الصلاحية مُشتراة من وزارة الزراعة..
وهذه جريمة لم ولن تحدث في أي دولة، حيث تقوم الجهة المسؤولة ببيع نفايات سامة وقاتلة للبشر والشجر..

كارثة أخرى..
هنا إحدى الكوارث الدامغة في إحدى المذكرات الرسمية، حيث تؤكد مؤسسة الخدمات الزراعية أن التاجر (الفلاني) تنازل لهم عن المبيدات المنتهية..).. لا ندري كيف تنازل عن سموم قاتلة.. وأين ستذهب بها..؟!
فبدلاً من الإبلاغ عنها وإلزامه بإعادتها إلى بلد المنشأ ومعاقبته لاستيراد سموم قاتلة، تقوم هذه المؤسسة بالتغطية على هذه الجريمة "وفرحانة" أن التاجر المجرم تنازل لِمَنْ هم أكثر منه إجراماً وقُبْحاً وبطرق رسمية وبكل بجاحة..

كارثة بطريقة رسمية وشرعية لكنها في حقيقة الأمر تجارة الموت..
في إحدى الرسائل والوثائق رسالة موجَّهة من "الإدارة العامة لوقاية النباتات" في وزارة الزراعة اليمنية إلى "إدارة الحجر النباتي"، طالبت فيها بإبلاغ رؤساء الفِرَق الزراعية في المنافذ الجمركية اليمنية بعدم الإفراج عن أي شحنات نباتية واردة، ما لم تكن حاصلة على شهادة فحص الأثر المتبقّي وخلوّها من المبيدات..
لكن المسؤولين في وزارة الزراعة بصنعاء ضربوا عُرضَ الحائط بأية توجيهات تقضي بمحاسبة ومنع الاتجار بمبيدات مهربة وخطيرة..

طرق عبثية..
وبطرق عبثية يقوم التجار بتحويلها إلى مبيدات صالحة بتغيير الليبل أو النشرة الخاصة بمعلومات المبيد وتاريخ الصلاحية وبلد المنشأ في معامل خاصة أو في مصانع خارجية كما يحدث في الأردن بطلب من تجار يمنيين.. وهذا ما كشف عنه الناشط خالد العراسي لإحدى الحاويات..
جاء في تدوينةٍ قديمة تعليق على دخول شحنات فاسدة من المبيدات، حيث علَّق وزير الثقافة اليمني الأسبق، خالد الرويشان، أنّ أحد رجالات الأردن قال له إنّ المواطنين الأردنيين مندهشون من مرأى الشاحنات الإسرائيلية وهي تفرغ حمولتها من السموم كي تُحمَّل مرة أخرى على شاحنات تسافر بها صوب اليمن، بعد أن تم تغيير اسم البلد المصنّع المطبوع على العبوات.. وحتى لو لم يتم تغيير أسماء الماركات الإسرائيلية، فإن الوصول إلى الأسواق مضمون؛ وذلك إما عبر التهريب أو عبر المنافذ الغافلة النائمة والدائخة، وربما المتواطئة.. وهي إشارة صريحه لما تشرحه الوثائق السرية لوزارة الزراعة..

انهيار منظومة كاملة..
بلال غيلان أحد ناشطي الفيسبوك، يشير إلى أنه حين تتحول “العادة اليومية” إلى مصدر تَسمُّم مزمن، فالمشكلة لم تعد في القات وحده، بل في منظومة كاملة انهارت فيها الرقابة، وغابت فيها المسؤولية، وسُمح فيها للسم بأن يُزرَع ويُباع ويُستهلَك وكأنه أمر طبيعي..
ويقول: نحن لا نمضغ القات فقط.. نحن نمضغ بقايا مبيدات، مركبات سامة، وجرعات صغيرة من مرض طويل الأمد..
واصفاً حالة مرضية بالسرطان بقوله: مع كل جلسة، لا يحدث شيء واضح فورًا، لكن داخل الجسم تبدأ قصة أخرى: خلايا تتلف، كبد يُرهق، جهاز هضمي ينهار ببطء.. ثم يأتي “التشخيص” متأخرًا، عندما يصبح العلاج أصعب من المواجهة..

نعيش أزمة وعي وكرامة..
الأخطر من المرض نفسه هو التعايش معه كأنه قدر.. أنْ نعرف، ونرى، ونسمع.. ثم نستمر..
ويؤكد أيضاً أن هذه ليست قضية صحية فقط، بل أزمة وعي وكرامة.. لأن الإنسان الذي يقبل أن يُسمَّم يوميًا، دون أن يطالب بحقه في الأمان، يُسلَب منه حقه في الحياة تدريجيًا..
ويضيف: إما أن نعيد النظر بجِدّية، أو سنستمر في دفع الثمن، صحةً، وأعمارًا، وأجيالًا كاملة..

استيراد كميات مهولة
ووفقاً للمعلومات التي كشفت عنها وثائق وتقارير حكومية مسربة مؤخراً، فقد استورد اليمن، خلال العام 2023م ما يقرب من 15.5 مليون لتر من المبيدات، بزيادة تفوق 10 أضعاف الكمية المستورَدة قبل عشر سنوات..
يلجأ الكثير من المزارعين في مختلف المناطق اليمنية إلى استخدام المبيدات الحشرية من أجل تسريع فترة تسوية ونضج الثمار، خاصةً نبتة القات التي يحصل المزارعون من جراء بيعها على أموالٍ طائلة لتزايد الطلب عليها من معظم اليمنيين..
يشرح الباحث في العلوم الزراعية علي العنسي، أن المزارعين يعمدون إلى تكثيف استخدام المبيدات الزراعية لرش شجرة القات لأن ذلك يساهم في تكرار عملية الإنتاج مرات عدة، ومِن ثَمّ يستطيعون جَني القات الجاهز للبيع ثلاث أو أربع أو خمس مرات في العام الواحد، بدلًا من مرتين فقط حينما يتم رشها بأسمدة طبيعية ومبيدات غير سامّة ولا محرّم استخدامها دوليًّا..
يضيف العنسي: «حتى في مزارع الخضروات والفواكه، استغل المزارعون عدم وجود رقابة عليهم من الدولة فعملوا خلال فترة الحرب على تكثيف رش المحاصيل الزراعية بمبيدات حشرية محرّم استخدامها دولياً»..
يقول المُزارع محمد علي سعد من أبناء همدان (38 عامًا): «أصبح من النادر أن تجد مزرعة في اليمن لا يعتمد مالكوها على المبيدات الحشرية المهرّبة والسامّة، لأنّها وسيلتهم الوحيدة للقضاء -حسب قوله- على الحشرات والدود التي تعاني منها أشجارهم ومزروعاتهم، ولا طريق لديهم إلا استخدام ما يصفه له مالكو محلات المبيدات، وأيضاً لأنها تعمل على تعجيل نضج الثمار..
وبحسب مختصين فإن هذه المشكلة لها تداعيات خطيرة يتجاهلها الكثير من المزارعين؛ إذ إنّ بعض أنواع المبيدات تتسبّب بوقوع أضرار فادحة على الزراعة، إضافةً إلى أنها قد تتسبب في تغيير البيئة الخصبة للأراضي الزراعية في مختلف المناطق اليمنية»..

50 صنفًا خطيرًا رائجًا
استنادًا إلى معلومات وبيانات ومصادر معنية -منها تأكيدات مسؤول في وزارة الزراعة والري- كُشف عن دخول أكثر من 50 صنفًا من المبيدات الحشرية المحظورة إلى صنعاء، كثير منها أصناف إسرائيلية..
يؤكد أصحاب المحالّ التجارية الخاصة ببيع المبيدات الحشرية في صنعاء، أنهم يبيعون مختلف أنواع الأسمدة والمبيدات الحشرية المستورَدة حتى الأصناف المحظورة منها، لأنها تكون غالباً بطلب المزارع، وهو ما تكشف عنه رسالة محافظ صعدة لدى اجتماعه بالمزارعين وعدد من المسؤولين قبل فترة بأن المزارعين وجَّهوا نداءً عاجلاً لوزارة الزراعة والجهات المسؤولة لتسهيل إدخال شحنة مبيدات تحتوي على صنف "بروميد الميثيل".. وهو ما يؤكده الأخ قايد أحمد (40 عامًا) وهو تاجر يعمل في بيع الأسمدة في سوق شعوب بصنعاء..
يتابع قايد: «مِن أبرز المبيدات الإسرائيلية التي تُباع في السوق تحت مسميات عِدة: (الفيل)، و(الديوكسين)، و(الجرانيت)، و(النمرود)» وغيرها من الأصناف..

ووفقاً لبيانات رسمية يدخل السوق اليمنية 800 اسم تجاري، بكمية تصل إلى 15 مليون لتر من المبيدات، منها نحو ثلاثة ملايين لتر مبيدات ممنوعة والمحرّم استخدامها دوليًّا..

تساؤلات..
وفي حين يظل التساؤل الذي حَيَّر الكثير في اليمن حول أسباب تسهيلات دخول المبيدات الحشرية من إسرائيل إلى اليمن، وكيف يتم ذلك، ومَنْ يتحمل المسؤولية، وهل للحرب والصراع في البلاد علاقة بذلك؟.. لا يزال الملف مفتوحاً حتى يجد مَنْ يغلقه، ويحاكَم مرتكبو جرائم القتل.
تمت طباعة الخبر في: الجمعة, 30-أكتوبر-2026 الساعة: 10:31 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68766.htm