الميثاق نت -

الإثنين, 27-أبريل-2026
د. أيوب الحمادي -
لقد أدركت الأمم الناهضة مبكراً أن القوة لا تُستورد، بل تُبنى.. اليابانيون مثلاً، أوفدوا بعثاتهم العلمية إلى ألمانيا، فعادوا بـ "روح الانضباط" ودِقة المعرفة، ليضعوا حجر الأساس لنهضة تقنية وعسكرية سبقت الحرب العالمية الثانية.. الفيتناميون سلكوا الدرب ذاته؛ استثمروا في "الإنسان" أولاً، فخلقوا قاعدة بشرية مؤهَّلة غدت مغناطيساً للشركات العالمية.. أما الاتراك ودول أوروبا الشرقية، فقد انتهجوا استراتيجية واضحة: نقْل المعرفة، ثم توطينها، ثم تحويلها إلى ترسانة إنتاجية وقوة اقتصادية ضاربة..

حتى الدول ذات الموارد المحدودة، كباكستان، لم تغفل عن قيمة الفرد؛ فقصة "عبدالقدير خان" ليست مجرد نجاح فردي، بل تجسيداً لوعي استراتيجي حوَّل العقول إلى "قُدرة سيادية".. واليوم، تشهد الهند وباكستان أكبر استثمار بشري عبر آلاف الطلاب المبتعَـثين، وهو استثمارٌ طويل الأمد يُترجَم الآن إلى تفوُّق تقني وجاذبية استثمارية هائلة..
أما إيران، فرغم قيود الحصار، إلا أنها فَـكَّـت شفرة المعادلة مبكراً عبر الابتعاث الواسع وتشكيل كتلة علمية في الخارج تخدم الداخل.. وفي الصين، بلغت التجربة ذروتها؛ حيث لم يكتفوا بنقل التكنولوجيا، بل استوعبوها وطوَّروها، حتى صار التنين الصيني رقماً صعباً في المعادلة الدولية، وكذلك كوريا وغيرها.. أما نحن، فالسؤال المؤلم لا يزال يتردد: ماذا نقلنا؟!

لدينا ثقل بشري عربي في الغرب يمتد لعقود، لكن أين "الأثر التراكمي"؟.. أين القواعد الصناعية والمشاريع القومية العربية الكبرى التي وُلدت من رحم هذا الاغتراب؟.. بدلاً من النقل المنهجي للمعرفة، غرقنا في دوائر مفرغة من السجالات العقيمة، واكتفينا باستيراد القشور والمصطلحات الأجنبية التي تجمّل الخطابات ولا تغيّر الواقع.. المشكلة لم تكن يوماً في شحّ الفرص، بل في انعدام الرؤية.. الدول التي عبرت لم تكن بالضرورة "أذكى" منا العرب، لكنها كانت "أصدق" في تحديد أهدافها.. أما تجربتنا كعرب، فظلت حبيسة "النجاحات الفردية" المبعثَرة، التي تلمع في الخارج دون أن تتحول إلى "رافعة حضارية" تنهض بالأوطان..

والحقيقة المُرة: أن أي أمة تعجز عن تحويل المعرفة إلى إنتاج، والتعليم إلى صناعة، والخِبرة إلى مؤسسات مستديمة ولا تستفيد من تجارب غيرها في النهوض، ستظل أمةً مستهلكة ممزَّقة مرتهنة لا تمتلك حتى ما تحت يدها.. مهما طال بها الأمد أو كثرت أموالها.
تمت طباعة الخبر في: الجمعة, 23-أكتوبر-2026 الساعة: 06:24 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68763.htm