ناشر العبسي* - منذ نعومة أظفاري كنتُ أشعر بالراحة والارتياح عندما أسمع حالة انتصار شخص أو جماعة لمظلوم، ونما هذا الحال كلما كبرتُ؛ ومن حُسْن حظي كان انتمائي المبكر للحزب الديمقراطي الثوري في أغسطس 1968م، والذي وجدتُ في برنامجه السياسي ضالتي سيما بما يتصل بالانتصار للحق والعدل والإنصاف والتمسُّك بالقِـيَم والمبادئ وحرية الإنسان والدفاع عن المستضعَفين والفقراء والمعدَمين والعمال الكادحين، فكان أن اتجهتُ إلى الالتحاق بالنشاط العمالي النقابي حيث اكتسبتُ معارف ومبادئ تتعلق بالعمال وحقوقهم..
لكن المظالم التي أخذت تطال الانسان اليمني، سيما إبان مرحلة الستينيات إلى الثمانينيات وما بعدها تطلبت مِنا نحن الغارقين بالانتصار للناس والتصدّي والمقاومة للظلم والظالمين، أنْ شكَّـلنا الجبهة الوطنية الديمقراطية في 11 فبراير 1976م لمواجهة الظلم الاجتماعي، وعمدنا إلى النضال، لكن النظام السابق في صنعاء أغاضه ذلك الفعل العظيم فأخذ يفتح السجون والمعتقلات ويطارد المناضلين الأحرار على مستوى المناطق والمديريات والقرى إيغالاً في قمعهم وإذلالهم، وتنقلنا من جبل إلى آخر ومن حَيْد إلى آخر في مناطق وقرى الأعبوس والأعروق وشرعب وماوية والحشاء ورداع وماور والرياشية وغيرها من المناطق والقرى..
لكن الحنين إلى إخواننا الكادحين العمال والدفاع والذود عن قضاياهم ومصالحهم كان يشدنا كثيراً..
بعد قيام الوحدة المباركة في مايو 1990م كنتُ مرشحاً في إطار نصيب الجبهة الوطنية كنائب لوزير الثروة السمكية؛ فيما الرفيق المناضل الكبير عبدالباري طاهر كان مشكوراً قد رتب لي وظيفة طيبة في وزارة النفط، لكن رغبتي الجامحة كانت بالالتحاق بالتأمينات الاجتماعية، حينها كان العزيز الحبيب الأستاذ منير قاسم حلمي -مدير عام التخطيط- قد رتب لي ذلك الالتحاق بالمؤسسة (بالتعاقد)، فضَّلتُ التعاقد على نائب وزير أمام رغبة العمل بالتأمينات وخدمة إخواننا العمال الكادحين.. ومن أول يوم عمل في المؤسسة أخذتُ أعمل وأنشط بكل إمكانياتي وقدراتي، يشهد بذلك كل من الزميلين الأستاذين منير حلمي وياسين سفيان الحمادي المسئولين عني حينها..
تقدمتُ بالعديد من مشاريع الأفكار والتصوُّرات.. قالوا لي خطوة خطوة أنت ما شاء الله عليك جئتَ نشيطاً، ومشكور لك هذه المشاريع الممتازة وبإذن الله سوف نحاول أن يعتمد مجلس الإدارة موازنة بالحاصل..
زميلي الأستاذ ياسين تابعهم وكان يمتلك روح العمل الصادق.. يريد إنجازاً، ويرغب في تعزيز الوعي بكافة القضايا التأمينية..
جاء العام التالي ولم تتضمن الموازنة فلساً واحداً (للنوعية التأمينية).. قالوا لنا بأن مجلس الإدارة رد على المقترحات بأنه مش وقت هذا الكلام..
عملنا ونشطنا وزميلي الحمادي بكل طاقاتنا وفي إطار الأعمال التي لا تتطلب موازنات مالية وحققنا إنجازات طيّبة في تلك الفترة..
ذكرى عَطِرَة
جاء الدكتور أحمد علي البشاري فاعتمد للإدارة العامة للعلاقات والإعلام موازنة لا بأس بها، وانتابنا قدر عالٍ من الفرحة، أخذنا نكتب - نصدر صحفاً - ننفذ محاضرات هنا وهناك مباشرة مع العمال والعاملات وأصحاب الأعمال، أرسلنا إليهم بالمباشرة خطابنا التأميني واستمعنا إلى وجهة نظرهم ورددنا على كل تساؤلاتهم واستفساراتهم.. قمنا بإنجازات عِدة في اتجاهات مختلفة، وتميَّز الأستاذ ياسين ابن الحمادي بجملة من الأنشطة - استبيانات - مقالات - حوارات -علاقة عامة..
إنجازات لا تُنكَـر
ثم تولت د/ فتيحة يحيى بهران قيادة المؤسسة عند نهاية النصف الأول من عام 1999م فقدمت الكثير من الإنجازات ومثلت فرصة سانحة لكل الشرفاء والمخلصين من ذوي العطاء، وتمكنا من إيصال الخطاب التأميني إلى أعداد كبيرة، ونفذنا نحن في التوعية التأمينية ما يزيد عن 250 محاضرة توعوية في مواقع أصحاب الأعمال والعمال في الأمانة والمحافظات..
مرحلة سيئة
ومثلت مرحلة عبدالملك علامة أسوأ مراحل المؤسسة وعملها التأميني؛ ومرت خمس سنوات عجاف بالنسبة للتأمينات، ورخاء لعبدالملك علامة وجماعته.. قلنا له (لا) ما هكذا تورد الإبل، لكنه كان محتمياً برأس كبير في مكتب رئاسة الجمهورية، وكانت الصحافة قد ساهمت نسبياً في تشويه سمعة المؤسسة بفعل ممارسة فساد هذا المعتوه.. كنتُ والأخ الزميل عبدالله الورد ما نكاد نرد على صحيفة إلا ونشرت صحيفة أخرى عن فساده..
بعضٌ من إنجازات الشرف
وعندما جاء الرئيس التنفيذي الحالي للمؤسسة وجدنا أن اسمه يطابق سلوكه، فهو شرف، وأفعاله بحق تقطر نزاهةً وعِفةً وشرفاً، فللإنسان نصيب من اسمه.. ورغم الحصار الاقتصادي الخانق الذي شهدته البلاد في السنوات الماضية ومغادرة الكثير من أصحاب الأعمال خارج الوطن والاستغناء عن أعداد هائلة من العمال والعاملات وخفض البعض لعدد العمال وكذلك خفض آخرين لمعاشات العمال والموظفين، وتوقيف البعض الآخر لسداد الاشتراكات التأمينية، كل ذلك وغيره رغم ركام من التأثيرات السلبية لوضع المؤسسة المالي ظلت المؤسسة تدفع مرتبات موظفي وعمال أصحاب الأعمال المتقاعدين والمتوفين عند مطلع كل شهر ميلادي بانتظام دون توقُّف أو انقطاع أو تأخير، فضلاً عن صرف مرتبات موظفيها المتقاعدين والمتوفين؛ في الوقت الذي تأثرت المؤسسة أيضاً بانخفاض مخرجات استثماراتها من المشاريع بفعل تراجع الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية في البلاد..
وأتذكر أنني كنتُ قد كتبتُ قبل سنوات مقالة حول الرفيق شرف رئيس المؤسسة قلتُ فيه حقيقة ما أعتقده، لكنه -حفظه الله- اعتقد أنه حالة من المدح فقال لي (لا أحب المدح يا عم ناشر)، وأجد نفسي أقول بعد هذه المدة لكوني أمين عام حزب العمال الديمقراطي وصحافياً منذ السبعينيات من حقي أكتب عن أي شخصية عامة أو مسئولة ما أعتقد أنه حق، وهو خير مَنْ يفهم ويدرك هكذا حقوق..
ففي الوقت الذي يظل المتقاعدون في القطاعين العام والمختلَط يعانون من تأخير مرتباتهم، يظل الأستاذ شرف يتابع الإدارات المختصة بصرف المرتبات التقاعدية في حالة من القلق الإنساني، ولا يغفر للموظفين إنْ قصَّروا أو تأخروا..
وذات يوم جمعني لقاء مقيل مع زملاء موظفين تحدث بعضهم عن الأسلوب الإداري المتخذ من رؤساء المؤسسة وهناك من وصف (الشرف) بالشدة؛ وحين جاء دوري بالحديث قلتُ الشدة التي تتحدثون عنها هي التي خلقت الضبطية والانضباط في المؤسسة الذي كان مفقوداً قبل مجيئ الأستاذ شرف، وهي في تقديري شدة لا تصل إلى القسوة.. شدة الأب على أبنائه، وفي تقديري يظل لدى الأستاذ شرف سقفٌ عالٍ من الإنسانية، نرى ذلك في الأتراح والمرض والأفراح ومشاركته، وأوكد أن المتضررين وحدهم من إجراءات الأستاذ هم مَنْ يرونه كذلك..
لقد أحسن معالي الأخ الوزير رئيس مجلس إدارة المؤسسة د/ خالد الحولي -وهو يتفق مع الرئيس- بإحضار الأستاذ الشيخ أمين صلاح كمدير عام للشئون المالية؛ وما أظنه إلا اختياراً موفقاً، وإنْ كان البعض يتحجج بالاستقلالية للمؤسسة عن وزارة المالية..
كان محقاً حين أوقف مرتبات مَنْ لديه عُهَد مالية ولم يتم إخلاؤها منذ سنوات، فسارع أولئك، وربما كان عددهم يقترب من 30 موظفاً لإخلاء عُهَدهم، وكنتُ واحداً منهم، وشخصياً وجدتُ عند هذا الزميل تواضعاً وتفهُّماً، وقد رأيته خارجاً من غرفة الأرشيف وربما كان ليلتها نائماً هناك، إنْ كان كذلك فهو برهان (الإخلاص)..
أظن والظن ليس كله إثماً بالضرورة لقوله تعالى (إنّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ).. لو كان "الشرف" قد تقلَّد مسئولية المؤسسة في الزمن الغابر لكانت إنجازاته حديث كل الناس، ولا يعني هذا أن إنجازاته الحالية متواضعة كما يراها أصحاب النظارات السوداء، بل هي كثيرة وكثيرة سنأتي على ذِكْرها عند الحاجة لذلك.
* الأمين العام لحزب العمال الديمقراطي
|