الميثاق نت -

الإثنين, 13-أبريل-2026
وجدي الأهدل -
مرتضى الزبيدي، الذي عاش في القرن الثامن عشر الميلادي (1732-1791م)، هو أعجوبة عصره، فهذا الرجل تمكن بجهده الفردي من تحطيم عِدة مُسلَّمات راجت في العالم الإسلامي آنذاك من أقصاه إلى أقصاه، وأولها المسلَّمة القائلة إن العصر هو عصر انحطاط الحضارة العربية الإسلامية، والمسلمة الثانية زعمهم أن الأولين هم الذين أتقنوا وبلغوا في العِلم غايته، فلا يتصور أن يتفوق لاحق على ثمرات عقولهم، وأن المتأخرين مقلّدون ضعفاء لا يتوقع منهم النبوغ والابتكار وتقديم إضافات علمية جديدة..
لقد هزم مرتضى الزبيدي سائر الترهات السلبية التي انتشرت في أوساط المثقفين العرب والمسلمين عن أفول الحضارة الإسلامية، وتمكن من تأليف 107 كُـتُب بحسب الإحصاء الذي نشرته موسوعة ويكيبيديا، أو 225 كتابًا وهو الإحصاء الأدق الذي قام به الباحث الألماني المتخصص د. ستيفان رايخموت.. وبعض هذه الكتب يتألف من أجزاء، مثل كتاب “تاج العروس في شرح جواهر القاموس”، الذي يُعد أضخم معجم في اللغة العربية، وصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت في 40 مجلداً، وبعضها كتيبات صغيرة الحجم مثل كتابه “تحفة إخوان الزمن في حكم قهوة اليمن”، وهو كتاب يتحدث من الناحية الدينية عن مشروعية شرب القهوة وإباحتها، لظهور فتاوى في وقته متطرفة تُحرّم شربها..
أجاد مرتضى الزبيدي ما بين 4- 6 لغات، ومنها اللغة العربية؛ فالعربية لم تكن لغته الأم، ولكنه اكتسبها في صغره من خلال التحاقه بالدروس الدينية في مساجد بلغرام بالهند، مسقط رأسه، فهو هندي الأصل والمولد والنشأة، ثم غادرها متجهًا إلى زبيد وهو في السابعة عشرة من عمره..
ونستدل على إجادته التامة للغة الفارسية من خلال تأليفه لكتاب عنوانه “التحفة القدسية في ضوابط قواعد الفارسية”، وله مراسلات باللغات التي كان يتقنها ومنها اللغة التركية..
اسمه محمد عبدالرزاق، فلما انتقل إلى زبيد تَسمَّى باسم مرتضى وتَلقَّب بلقب الزبيدي، فنستدل أن مدينة زبيد هي التي أعطته كل شيء: العِلم والأدب والإجازة العلمية والهوية العربية التي ساعدته لاحقًا على ذيوع صيته في سائر البلدان العربية والإسلامية، بصفته عالِماً مسلماً ينتمي لليمن..
عندما انتقل مرتضى الزبيدي إلى القاهرة ذاع صيته وملأ الأصقاع شرقًا وغربا، وصار أشهر شخصية علمية في العالم الإسلامي بأسره، وكان الملوك والسلاطين يسعون إلى كسب وده، وعلى رأسهم السلطان العثماني “عبدالحميد الأول” سلطان العالم، وكذلك باشا مصر “محمد باشا عزت الكبير”..
إن سِيرة مرتضى الزبيدي تستحق الوقوف عندها والتأمل فيها.. وأول ملاحظاتي الشخصية حوله، أن تكوينه العِلمي قد اكتسبه من اليمن، ومن زبيد تحديدًا، لأنه لما غادر اليمن إلى مصر، وتسامع العلماء بوصوله، ذهب مشائخ الأزهر لحضور دروسه وأخْذ الإجازات العلمية منه، وتوافد عليه طلاب العلم من شتى أنحاء المعمورة.. وهذا دليل على السمعة الحسنة لمدينة زبيد وعلمائها، وعلى مدى جودة التعليم في مدينتنا التي كانت بمثابة جامعة موثوقة، فيها مستوى تعليمي متقدم..
لقد أتى مرتضى الزبيدي من الهند فتىً يافعًا فقيرًا، لا يملك من الدنيا سوى شغفه في طلب العِلم، فوجد في مدينة زبيد الحاضنة العلمية التي قدمت له المسكن في رباط الطلاب، ونفقات المعيشة من ريع الأوقاف..
كانت زبيد في القرنين السابع عشر والثامن عشر مدينة أكاديمية تستقطب طلاب العِلم من اليمنيين والأجانب، وتُوفّر لهم ما نُسمّيه بلغة عصرنا مِنَح تعليمية تشمل السكن والمعيشة، وهذا قبل أن يظهر نظام المِنَح الجامعية في الغرب..
لقد تحققت نهضة علمية وأدبية وثقافية في البلاد اليمانية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وكانت نهضة استثنائية مخالفة للتيار السائد في البلدان العربية الأخرى.. وفي هذين القرنين ظهرت مؤلفات كثيرة في الشعر والأدب والعلوم الدينية واللغوية، ثم انطفأت هذه الجذوة في القرن التاسع عشر مع دخول الاستعمار إلى المنطقة العربية، ووقوع معظم الحواضر العربية الكبرى تحت الاحتلال.. والشاهد هنا أن اليمنيين غير منتبهين على ما يبدو للازدهار الثقافي الذي جرى في بلادهم خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، ولم يدرسوا جيدًا هذه الحقبة التاريخية، وإلا لاكتشفوا أنها من أخصب العهود الثقافية مقارنةً بالقرون التي قبلها..
وما مرتضى الزبيدي الذي يُعد أعظم مثقف وعالم مسلم في القرن الثامن عشر، إلا نتاج البيئة العلمية والثقافية المزدهرة في اليمن آنذاك..
ملاحظتي الثانية تتعلق بالاقتصاد: في القرنين السابع عشر والثامن عشر كانت اليمن تعيش في حقبة من الرخاء الاقتصادي؛ ومرد ذلك زراعة وتصدير البن..
هذه الوفرة الاقتصادية ساهمت في تخصيص جزء من الموارد للصرف على الأساتذة والطلاب، الذين رغبوا في التفرغ للعلم.. وكانت مدينة زبيد في مقدمة المدن اليمنية التي استفادت من هذه الوفرة، عن طريق الريع الآتي من الأوقاف..
لكن عندما نجح الهولنديون في تهريب شتلات البن من المخا، واستزرعوها في جاوا ومناطق أخرى من العالم، فقدت اليمن مكاسبها الاقتصادية وتراجعت إلى ذيل قائمة مصدري البن..
والدرس المستفاد أن البلد الذي يريد أن ينهض ثقافيًا وعلميًا لابد أن يخصص جزءًا من موارده للصرف على المشتغلين بهذه المجالات..
تُوفي مرتضى الزبيدي بالطاعون الذي اجتاح القاهرة عام 1791م، وقد حقق جميع الآمال التي كان يحلم بها، بل وربما أكثر بكثير مما كان يحلم به، ولكنه لم يرزق ذرية ترث الثروة الطائلة التي اكتسبها، ولم يكن حوله أقارب يواسونه في لحظاته الأخيرة.. ذكر المؤرخ المصري الشهير عبدالرحمن الجبرتي وهو أحد تلامذته مشهد خاتمته الحزينة وهو ينظر معقود اللسان إلى زوجته وأصهاره يفتحون الصناديق ويحملون ما فيها ويتقاسمونها قبل وفاته.. وقد ذكر الجبرتي صفته على النحو التالي:
“وكانت صفته ربعة، نحيف البدن، ذهبي اللون، متناسب الأعضاء، معتدل اللحية، وقد خطه الشيب في أكثرها.. مترفّهاً في ملبسه، ويعتم مثل أهل مكة، عمامة منحرفة بشاش أبيض، ولها عذبة مرخية على قفاه، ولها حبكة وشراريب حرير طولها قريب من شبر، وطرفها الآخر داخل طي العمامة، وبعض أطرافه ظاهر.. وكان لطيف الذات، حَسَن الصفات، بشوشاً، بسوماً، وقوراً، محتشماً، مستحضراً للنوادر والمناسبات.. ذكياً، لوذعياً، فطناً، ألمعياً، روض فضله نضير، وما له في سعة الحفظ نظير”..
وأما زبيد في وقتنا الحاضر فلا تعدو عن أن تكون بلدة متواضعة، يناهز عدد سكانها 30 ألف نسمة، فقد تعرضت للإهمال في العهد الإمامي ثم في العهد الجمهوري، ولا ندري هل تستعيد هذه المدينة مجدها العِلمي في قادم الأيام، أم تبقى على حالها منسية مهمَلة خاملة الذكر.
تمت طباعة الخبر في: الجمعة, 23-أكتوبر-2026 الساعة: 06:24 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68709.htm