بقلم: عبدالله البردوني - ليس قيام الثورة مجرد انتهاء، وإنما هو ابتداء أشق، لأن محو وضع وإقامة وضع يتطلب خبرة قوية وجهوداً أقوى على أداء الخبرة.
وقد لاحظنا ما عانت الشعوب بعد الاستقلال، لأنها بدأت من نهاية عهد المحتل، وهذه البدايات محفوفة بالأخطار، لأن المنتهي يترك كل بذوره وجذوره في تربة العهد الذي يليه، فيخوض الوطن ميدانين، ميدان إنهاء ما تبقى وميدان تأسيس ما سوف يقوم، ذلك لأن العهود الجديدة تأتي بمشاكل جديدة موصولة بالجذور البائدة وممتدة إلى الأيام الآتية.
وأولى المشاكل التي نجمت بعد ثورة سبتمبر هي الاختلافات الطبيعية بين الثوار ، غير أن الاختلافات تشكل خطورة إذا كان هناك عدوان خارجي كالذي حدث في بلادنا بعد ثورة سبتمبر.
وكانت أولى بؤر الخلاف في أكثر المواطن حساسية، إذ تعالت النبرات بين ما يسمى بالضباط القدماء والضباط الجدد. ومن أكثر ثورية وأيهما أليق باسم الثورة والثائر .؟!
كان الضباط الجدد يرون أنفسهم العاملين المباشرين في تحريك الثورة وتنفيذها، وكان الضباط القدماء يرون أنفسهم أسبق إلى الحركة الوطنية، لأن أكثرهم وقع في سجن 1948م، وكابد سجن نافع سنوات، بيد أن الضباط الجدد لم يروا هناك صلة بين حركة 1948م وبين ثورة سبتمبر، لاختلاف الظرفين والحدثين.
* * *
كان صالح الرحبي من الأنقياء إلى أبعد مدى، فكان يستنكر أن في الدنيا كذباً أو غشاً أو خيانة للأوطان حتى أن رواية كذبة من إنسان معتبر تحدث عنده دهشة صاعقة، فيرد على محدثه.. هذا لا يتصور .. هذا غير ممكن.
وبفعل التجربة رأى صحة ما يقال وكذب ما قيل، لأنه عرف من ثقافة ذلك الحين عبارة( كل شيء ممكن) ( لهذا جائز ) لهذا لم يعد يستغرب أي ظاهرة، وإنما حاول أن يبحث حقيقة كل ظاهرة وسبب كل حدث صغيراً كان أم كبيراً.
وكان الرحبي محبوباً .. فقلّ من يكتم عنه سراً.. بهذا عرف الشرائح الاجتماعية في الخمسينيات وهوياتها السياسية، لأنه كان مأمون الجانب عند كل الشرائح مرجو الخير والعون عند كل صديق وزميل.
* * *
عندما تنازعت التنظيمات في الخمسينيات التحق صالح الرحبي بأحد التنظيمات القومية سنة 1959م، ولم يشكل انتماؤه إلى التنظيم كراهية لأحد سواءً أكان من نزوعه أو من خلاف مَنْزَعِه، إلا أنه كان لتنظيمه أكبر عون، إذ كان بيته في القاع مقر اجتماع رفاقه، كما كان تحركه إلى سائر المناطق يؤدي خدمة لتنظيمه.
ولم يكن انتماؤه سبب قطيعة بينه وبين الآخرين، بل تعاون مع الثوار من كل انتماء أو غير منتمين.
فبعد قيام اللقية وزميليه بإطلاق النار على الإمام أحمد سنة 1961م في مستشفى الحديدة، جازفت الاعتقالات بأدنى الشبهات، وكان من الذين وقعوا في الاعتقال الزعيم حمود الجائفي.
فأحدث اعتقاله صدمةً عند جمهرة المواطنين وعند الضباط الثوار بصفة خاصة، لأنهم كانوا يُعدّون الجائفي قائداً للثوار فتزايد التساؤل: هل سبب اعتقال الجائفي يرجع إلى معرفة نوايا الثوار أم أنها مجرد شبهة.
كان هناك احتمالان، ولما تخفف السجن على الجائفي وحصل على الإذن بزيارة بيته يوماً في الأسبوع، قام صالح الرحبي ومحمد عبدالله أبو لحوم بالتعاون على تهريب الجائفي إلى عدن، وشاعت للرحبي أحدوثة تهريب الجائفي في صنعاء، وكانت تلك الفترة تعاني من التراخي، إذ شاعت فيها سرقات صناديق الحكومة وفرار السجناء، فقد أمكن فرار ابن مُعَيلي من سجن الرادع في منتصف النهار وتمكن محمد عبدالله أبو لحوم من تهريب محمد عبدالله الفسيل وحسن السحولي وأحمد الشامي وأحمد القنبلة من سجن حجة.
وكان تهريب الجائفي أخطر حادث في مطلع الستينيات، من ذلك تبدى الرحبي شخصاً مقنعاً، عند الضباط القدماء وعند الضباط الشباب لما بذل من الجهود ومن التعاون مع كل الثوار بغض النظر عن الانتماء السياسي.
* * *
لأن الثورة، ابتداء، بناء يتطلب كل القوى والاختبارات وبالأخص بعدما تكالبت المطامع الاستعمارية على اليمن الذي رفع راية الثورة، وكان لثورة اليمن خطر عالمي لكون الاستعمار الانجليزي جاثماً على صدر الشطر الجنوبي من اليمن، ولأن منابع الطاقة تتاخم شمال اليمن وبعض جنوبه.
لهذا اشتدت الحملات الاستعمارية على وطن الثورة اليمنية فكان في هذا الشر خير كثير، لأن وجود العدو الأجنبي ذوب الخلافات بين الضباط القدماء والجدد.
فاتحدوا أمام العدو المتعدد المصالح الموحد الغايات، وكانت يد الاستعمار تمتد مستغلَّة حياة الإمام المخلوع وحياة الأمراء الذين كانوا يقطنون شتى عواصم العالم.
وكان أهم حدث في أسبوع الثورة هو ذلك الحدث الذي كان صالح الرحبي بطله وشهيده، فبعد قيام الثورة بأسبوع حدثت تغيرات وتنقلات في المعسكرات لمواجهة العدوان الخارجي وعندما أراد الضباط الثوار نقل معسكر قصر السلاح إلى العرضي امتنع ذلك المعسكر، فاشتم الرحبي روائح المؤامرة، وصمم على نقل تلك القطعة التي عُرفت بإخلاصها للمقام جملة والحسن بصفة خاصة، وكان ذلك المعسكر لا يحمل من الأسلحة إلا البنادق، إلا أنه يقدر أن يمنع الضباط الثوار من الوصول إلى الأسلحة الثقيلة التي استدعاها الموقف.
ولعل الحكمة تغيبت في ذلك اليوم فاشتبك معسكر القصر مع بعض الثوار على رأسهم الرحبي، وكان صالح الرحبي مصراً على احتلال القصر وإخراج أولئك الجنود، فلجأ إلى النار من أول مرة فقتل وجرح ثم لاقى مقتله في ذلك اليوم وهو اليوم السابع لشرارة الثورة.
توالت عدة تفاسير عن عصيان معسكر القصر، فقال البعض أن السبب وصول رسالة من البدر المخلوع، وقال البعض أن ذلك المعسكر كان من جملة الثوار وإنما استفزه الذين أرادوا نقله بدون سبب واضح.
وقال البعض أن ذلك المعسكر شاهد الطائرة التي كانت تقل الزبيري والبيضاني من القاهرة فظنها طائرة الحسن، فلم يثق بالثورة مع وصول الحسن.. غير أن هذا التفسير بعيد عن المعقول، فقد بدأ تحرك الطائرات في جو صنعاء من اليوم الثاني لقيام الثورة، ولا يمكن أن يتصور ذلك المعسكر وصول الحسن بتلك البساطة إلى عاصمة أقامت نظاماً مختلفاً وقامت بثورة تغييرية، من كل الوجوه .!!
المهم أن ذلك البطل صالح الرحبي سقط ضحية تلك الحادثة العارضة، على حين كانت الثورة تذخره لمهمات أعظم.
بهذا الحادث المؤسف الذي سببه سوء الفهم أو سوء التفاهم سقط رجال شجعان من معسكر القصر وسقط صالح الرحبي أحد ضباط الثورة البارزين في وقت الاحتياج إليه وإلى أمثاله من الأقوياء المضحين ومن الرجال الموثوقين عند جيلين من الضباط، لأن صالح الرحبي الشهيد كان ثورياً حتى على نفسه، إذ مات وهو لا يملك شيئاً، لأنه رأى الثورة بالشعب وللشعب وليس للثوار إلا عبء المسئولية لكي ينعم الشعب بالديمقراطية والرخاء وبالشعور الإنساني وبالسيادة على الأرض.
ــــــ
من كتاب ( ثوار في رحاب الله ) للبردوني، صدر حديثاً عن الهيئة العامة للكتاب.
|