الميثاق نت -

الثلاثاء, 17-مارس-2026
بقلم/ عبدالله البردوني -
كان الحسن والبدر في مطلع الخمسينيات قُطبَيْ النزاع على الخلافة، فكان يفد الوافدون لبيعة البدر ويفد غيرهم لبيعة الحسن، وكان بعضهم يأتون أفراداً حاملين تواقيع أصحابهم لبيعة هذا أو ذاك.. وكان البعض يبايع البدر والحسن في يوم واحد..

وكان المبايعون والمبايعات يجهلون أخطر شيء، وهو الشعب الرافض لكلي القطبين..

غير أن المتهافتين على نقود هذا أو ذاك ظلوا يواصلون ألاعيبهم، فظن الحسن أن المنطقة التي كانوا يسمونها (القبلة) هي مركزه الأساسي، فكانت تمتد هذه المنطقة من عمران إلى صعدة إلى حجة.

وكان البدر يرى أتباعه في الشباب وطلاب المدارس وضباط الجيش، فاهتدى الحسن إلى وسيلة ينال بها من شعبية في صنعاء تغالب شعبية البدر، فابتنى مدرسة إلى جانب دار العلوم تضاهي الثانوية في منهجها إلى جانب زيادة في العلوم الدينية.

واختار الحسن طلاب المدرسة التي سماها تحضيرية، من مناطق (القبلة) كما كانت تسمى، فاستقدم الطلاب من شهارة وصعدة وحوث وحجة وكشر وسائر تلك الأصقاع.

وكان من أوائل الطلاب الذين انضموا إلى المدرسة التحضيرية محمد مطهر زید.

* * *

التحق محمد مطهر زيد بالمدرسة التحضيرية عام 1954م وكان مؤهله الدراسي يحقق دخوله دار العلوم، لأنه قد بدأ الدراسة بالمدرسة العلمية بوشحة.

وكان معنى العلمية والعلم يطلق على كتب الفقه وأصوله والفرائض والنحو كآلة لفهم الكتاب والسنة، لهذا سمى الحسن مدرسة التحضيرية، لأنه همس في بعض الجلسات الخاصة أنه يحضر أولئك الطلاب للدراسة في الخارج، وكان يسمي أولئك الطلاب (زنجبيل بغباره) أي فطريون لا يعرفون ترف المدينة ولا مشاكل السياسة، ولا الاختلاط بالذين كان يسميهم العصريين، وكان أولئك الطلاب مختارين من أبناء البيوت الشهيرة بالعلم وبالقضاء الشرعي وبإدارة المناطق أو الذين ينتمون إلى هذا القبيل من تلك الطبقة، كما تدل الأسماء: علي قاسم المؤيد، يحيى المتوكل، أحمد المتوكل، أحمد الناصر، حسين الزين، محمد مطهر زيد، يحيى جحاف، عبدالوهاب جحاف..

غير أن الأمور تراخت فدخل تلك المدرسة أفراد من أبناء الشعب، عن طريق المراجعات والوساطات والإلحاح في الطلب وإن كان أغلب الطلاب من أبناء البيوت الموثوقين حسنياً..

ولم يكد يمر عامان، حتى أصبح الفطريون أكثر تطلعاً إلى المعاصرة وأكثر حماساً للوطنية وأشد انغماساً بدوائر المثقفين والمتطلعين..

وهذه مسألة بدهية، فالقروي أكثر انغماساً في حياة المدينة لاختلافها عن حياة القرية ولأنها سرّ مُكتشف يُغري بالدخول إليه..

لهذا أصبح طلاب التحضيرية غير من كانوا قبل سنة، ساعد على هذا تدفق العصر من جهة وإبعاد الحسن من اليمن بأمر الإمام أحمد من جهة أخرى.

فظلت المدرسة التحضيرية نقطة وسط بين دار العلوم والثانوية وكانت مدة الدراسة فيها أربع سنوات.

في عام ١٩٥٨م انفتحت الكلية الحربية والتحق بها أغلب طلاب التحضيرية والثانوية، لأن الوعد بابتعاثهم إلى الخارج قد خاب بإقصاء صاحبه إلى نيويورك، لكن سادت فكرة أخرى هي اختيار العناصر الموالية للكلية الحربية، مع أن تلك الفترة قد شقت جيل الأبناء عن الآباء..

وقد عانى بطلنا محمد مطهر زيد مضائق عديدة في طريق التحاقه بالكلية الحربية، لأنه كان قصير القامة فرأى العسكريون عدم لياقته ثم انتصر على المكاره بالإلحاح والشفاعة..

ولما أصبح من طلاب الحربية أبدى تفوقاً ملحوظاً.

* * *

كانت الكلية الحربية تتكون من ثلاث سرايا لكل سرية قائد، وكان محمد مطهر القائد الأعلى للسرايا الثلاث لوفرة استيعابه للدروس العسكرية ودرايته بالانضباط العسكري، لأن الفقيه الذي تحت ردائه قد حوّله إلى رجل عسكري شامخ القلب على قصر قامته..

وفي عام 1961م تخرجت الدفعة الأولى التي منها محمد مطهر زيد وبعد تخرج تلك الدفعة وجدت نفسها بلا رتب عسكرية وبلا مرتب، فانتدب الخريجون علي عبد المغني ومطهر زيد إلى تعز المراجعة الإمام في إعطاء الرتب.

ورجع محمد مطهر بلا جدوى، وظل علي عبد المغني بتعز قتلاً للوقت، فنال محمد مطهر رتبة أركان حرب في الكلية الحربية التي كان يديرها عبد الله جزيلان، وجمع بين هذا العمل وبين التعليم في مدرسة الأسلحة..

وفي تلك الفترة انبثق مشروع تنظيم الضباط الأحرار، فاستدعى محمد مطهر زميله علي عبدالمغني من تعز للمشاركة في ذلك التجمع العسكري..

وكان محمد مطهر تحرُّكياً لا يقف، فتمكن من مد التنظيم إلى المعسكرات في تعز والحديدة وحجة، وكان هذا أول تنظيم ضباطي.. وإن كانت صفة التنظيم مجازاً عليه، إذ لم يكن لذلك التنظيم برنامج مكتوب ولا رئيس ولا دليل نظري للمستقبل، فكان أشبه بتجمع ضباط من كل المعسكرات، غير أنه كان في حينه عملاً خطيراً، لأن ذلك التجمع من الضباط، قد أصر على تفجير ثورة، وانكشف هذا السر للمقام، فأبعد الموالون من الضباط التنظيميين عن الأسلحة، وأغلقوا على الدبابات بلا مفاتيح ولا ذخائر..

فتلفت تنظيم الضباط إلى أعضاء الاتحاد اليمني من التجار في تعز، فأمدوهم بالأموال لشراء القذائف عندما يحين أوان استعمالها، غير أن تمرد خولان ألجأ المقام إلى خروج الدبابات من مخابئها واستيلاء بعض الضباط على قيادتها، بل قاد بعضهم الحملة إلى خولان..

وكانت تفد الذخائر من الخارج إلى أوكار سرية يعرفها الضباط الثوار، وكان القصر الإمامي يسرع إلى السقوط، وبالأخص بعد إصابة الإمام أحمد في مستشفى الحديدة عام 1961م، فأبدى الضباط ولاء للبدر، فوثق بالكثير منهم فأولاهم مقاليد الأسلحة وارتاب في البعض، فوصلوا إلى السلاح عن طريق زملائهم الموثوقين إمامياً، وفي اللحظات الأولى للثورة كان في أيدي القيادة ست دبابات ،اقتاد علي محمد الشامي دبابة تغلق باب قصر السلاح، واقتاد عبدالله صبرة دبابة حاولت اقتحام قصر البدر، فعجزت عن الدخول، واقتاد عبدالرحمن بن محمد المحبشي دبابة رابطت شمال قصر البدر، واقتاد محمد السراجي دبابة رابطت في شرارة، ميدان التحرير اليوم، واقتاد صالح الأشوال دبابة احتلت دار الإذاعة، واحتلت الدبابة السادسة بوابة دار الوصول (القصر الجمهوري حالياً)..

وكانت دبابة السراجي والمحبشي أنشط الدبابات قصفاً لدار البشائر، بيد أن قصفهما كان غير مدمّر لقربهما من المرمى..

وعلى مدى عشر ساعات لم تحدث الدبابات في قصر البشائر إلا مجرد ثقوب، فانتبه محمد مطهر وعبداللطيف ضيف الله إلى المدافع الميدانية التي قصفت دار البشائر من الصافية فاحترقت سقوفه وأحدثت فيه حرائق بعد حرائق، وكان المواطنون يشاهدون المدافع الرشاشة تحترق في أيدي المحامين عن قصر البشائر..

وكانت الساعة العاشرة من صباح يوم 26 سبتمبر هي الساعة الحاسمة لتآزر المدفعية إلى جانب مدافع الدبابات.. وأكد ضباط الثورة، أن محمد مطهر كان قوي التسديد لضربه، لأن الضباط راعوا بدقة البيوت الملاصقة لقصر البدر وحرصوا على سلامتها.

وكانت الأسلحة موفورة بعد الساعة العاشرة، إذ تمكنت قيادة الثورة من الاستيلاء على كل الدبابات ومن الاستيلاء على قصر السلاح، وردوا نجاح ذلك اليوم إلى نجاح محمد زيد.

* * *

اشتهر محمد مطهر زيد بوضع الخطط الحربية، وطارت شهرته في حسن الهجوم على الأعداء، وتحديد مواقع الأسلحة.. واشتهرت له ثلاثة مواقف فريدة.

الموقف الأول استخدام المدفعية قبل الثورة.. الموقف الثاني فك الحصار العنيف على المحابشة عام 1963م، إذ تسلق مع زميله علي الضبعي الجبال مشياً حتى وصلا إلى القوة المحصورة في المحابشة وكسروا عنها الحصار.. الموقف الثالث تجلَّى في رازح الذي كان محمد أحد أبطاله، مع أنه كان رئيس أركان إلا أنه ترك المكتب ودخل سخونة الميادين، فقاتل في رازح إلى جانب القوات التي قادها حسين الدفعي وزير الدفاع يومذاك..

وفي معركة رازح الشهيرة، استُشهد محمد مطهر كسائر الجنود، وهو رئيس أركان، وكان أيام رئاسته على الأركان يسكن منزلاً متواضعاً بقاع العلفي بلا حراسة، كما كان يتحرك إلى المواقع بلا حراسة..

لقد أصبح محمد مطهر أسطورة حقيقية من مطلع حياته الدراسية إلى تخطيطه القتالي إلى استشهاده في معركة رازح عام 1964م.
تمت طباعة الخبر في: السبت, 31-أكتوبر-2026 الساعة: 03:12 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-68619.htm